مجتمعا متصلا
بَيْنَهُمْ
فكانوا شيعا ، وهو معنى
زُبُراً
أي قطعا ، كل قطعة منها في غاية القوة والاجتماع والثبات على ما صارت إليه من الهوى والضلال ، بكل شيعة طريقة في الضلال عن الطريق الأمم ، والمقصد المستقيم ، وكتاب زبروه في أهويتهم ولم يرحموا أنفسهم بما دعتهم إليه الهداة من الاجتماع والألفة فأهلكوها بالبغضاء والفرقة ، وهو منصوب بأنه مفعول ثان لتقطع على ما مضى تخريجه في الأنبياء ، وقد ظهر كما ترى ظهورا بينا أن هذه إشارة إلى الناجين من أمة كل نبي بعد إهلاك أعدائهم ، أي إن هذه الجماعة الذين أنجيتهم معكم أمتكم ، حال كونهم أمة واحدة متفقين في الدين ، لا خلاف بينهم ، وكما أن جماعتكم واحدة فأنا ربكم لا رب لكم غيري فاتقون ولا يخالف أحد منكم أمري ولا تختلفوا وتفترقوا لئلا أعذب العاصي منكم كما عذبت أعداءكم .
ولما كان هذا مما لا يرضاه عاقل ، أجيب من كأنه قال : هل رضوا بذلك مع انكشاف ضرره ؟ بقوله :
كُلُّ حِزْبٍ
أي فرقة
بِما لَدَيْهِمْ
أي من ضلال وهدى
فَرِحُونَ *
أي مسرورون فضلا عن أنهم راضون غير معرج الضال منهم على ما جاءت به الرسل من الهدى ، ولا على الاعتبار بما اتفق لأممهم بسبب تكذيبهم من الردى .
ولما أنتج هذا أن الضلال وإن وضح لا يكشفه إلا ذو الجلال ، سبب عنه سبحانه قوله تسلية لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَذَرْهُمْ
أي اتركهم على شر حالاتهم
فِي غَمْرَتِهِمْ
أي الضلالة التي غرقوا فيها
حَتَّى حِينٍ *
أي إلى وقت ضربناه لهم من قبل أن نخلقهم ونحن عالمون بكل ما يصدر منهم على أنه وقت يسير .
ولما كان الموجب لغرورهم ظنهم أن حالهم - في بسط الأرزاق من الأموال والأولاد - حال الموعود لا المتوعد ، أنكر ذلك عليهم تنبيها لمن سبقت له السعادة ، وكتبت له الحسنى وزيادة ، فقال :
أَ يَحْسَبُونَ
أي لضعف عقولهم
أَنَّما
أي الذي
نُمِدُّهُمْ
على عظمتنا
بِهِ
أي نجعله مددا لهم
مِنْ مالٍ
نيسره لهم
وَبَنِينَ *
نمتعهم بهم ، ثم أخبر عن « أن » بدليل قراءة السلمي بالياء التحتية فقال :
نُسارِعُ لَهُمْ
أي به بإدرارنا له عليهم في سرعة من يباري آخر
فِي الْخَيْراتِ
التي لا خيرات إلا هي لأنها محمودة العاقبة ، ليس كذلك بل هو وبال عليهم لأنه استدراج إلى الهلاك لأنهم غير عاملين بما يرضي الرحمن
بَلْ
هم يسارعون في أسباب الشرور ، ولا يكون عن السبب إلا مسببه ، ولكنهم كالبهائم
لا يَشْعُرُونَ *
أنهم في غاية البعد عن الخيرات
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
[ القلم : 44 ] .