الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
ومن قوله :
إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ
قوة الجهر به قال تعالى :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ
أي بقراءتك فيها ، أو سمى القراءة صلاة لأنها شرط فيها جهرا قويا حتى تسمعه المشركون ، فإن المخالفين قد عرف عنادهم فلا يؤمن سبهم للقرآن ولمن أنزله ولمن جاء به ، بل كانوا يفعلون ذلك ويلغون ، وربما صفقوا وصفروا ليغلطوا النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ويخلطوا عليه قراءته
وَلا تُخافِتْ
أي تسر
بِها
إسرارا بليغا كأنك تناظر فيه آخر بحيث لا تسمع من وراءك ليأخذوه عنك
وَابْتَغِ
أي اطلب بغاية جهدك
بَيْنَ ذلِكَ
أي الجهر والمخافتة التي أفهمت أداة البعد عظمة شأنهما
سَبِيلًا *
أي طريقا وسطا ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في هذه الآية قال : نزلت ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم مختف بمكة ، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال اللّه عز وجل لنبيه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ
أي بقراءتك ، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن
وَلا تُخافِتْ بِها
عن أصحابك فلا تسمعهم « 1 » - انتهى . أطلق هنا اسم الكل على الجزء إشارة إلى أن المقصود الصلاة وفيما تقدم اسم الجزء على الكل لأن المقصود الأعظم هناك القراءة في الفجر ، وروى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها أن هذه الآية نزلت في الدعاء ، وقد تقدم غير مرة أنه ليس ببدع أن يكون للشيء أسباب كثيرة .
ولما تقدم إحاطة هذين الاسمين ، أما اللّه فبجميع معاني الأسماء الحسنى ، وأما الرحمن فبالرحمانية ، المأمور بالدعاء بهما كل مخاطب ، خصه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم بالأمر بالتحميد الذي معناه الإحاطة واسمه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم مشتق منه لاتصافه به حامدا ومحمودا ، وبالتكبير عن كل ما يفهمه العباد من أسمائه الحسنى فقال تعالى :
وَقُلِ الْحَمْدُ
أي الإحاطة بالأوصاف الحسنى
لِلَّهِ
أي الملك الأعظم
الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ
لكونه محيطا بالصفات الحسنى
وَلَداً
فإن ذلك لا يكون إلا للحاجة وبالحاجة وهي من أسوأ الأوصاف
وَلَمْ يَكُنْ
أي يوجد بوجه من الوجوه
لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
ولا ولد ولا غيره فإن ذلك لا يكون إلا للعجز
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ
ناصر أعم من أن يكون ذلك الناصر ولدا أو شريكا أو غيره : ثم قيده واصفا بقوله تعالى :
مِنَ الذُّلِّ
إفهاما بأن له أولياء جاد عليهم بالتقريب وجعلهم أنصارا لدينه رحمة منه لهم لا احتياجا منه إليهم
وَكَبِّرْهُ
عن أن يشاركه أحد في شيء من الأشياء وعن كل ما
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 4722 و 7490 و 7525 و 7547 والترمذي 3145 و 3146 وأحمد 1 / 23 و 215 عن ابن عباس رضي اللّه عنهما .