تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
ذي لب إليه ، فإن كان ل « قل » فهو تسلية له صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، وإن كان لما بعدها فهو تبكيت لهم وتحقير ، فقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وبني للمفعول دلالة على أن العلم الرباني - وهو العلم في الحقيقة من أيّ مؤت كان ، حاث على الإيمان بهذا القرآن ، وتنبيها على أن من كان يعلم ولا يحمله علمه على الإيمان بهذا الكتاب الذي لا شيء أبين من حقيقته بمصادقته لكتب الأنبياء الذين ثبتت رسالاتهم ومضت عليها الدهور ، واطمأنت بها النفوس ، وزيادته عليها بما أودعه اللّه من الإعجاز والحكم - فعلمه كلا علم بل هو أجهل الجهلة ، سواء كان ممن سألتموه عني أو من غيرهم - كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى تحقيقه في الزمر . ولما كان المراد أن من اتصف بهذا الوصف ولو زمنا يسيرا نفعه ، أدخل الجار فقال مرغبا في العلم ليحمل على الإيمان بالقرآن :
مِنْ قَبْلِهِ
أي قبل إنزاله ممن آمن من بني إسرائيل الذين أمرني اللّه بسؤالهم تسميعا لكم وتثبيتا لكونكم أقبلتم عليهم بالسؤال وجعلتموهم محط الوثوق :
إِذا يُتْلى
أي من أيّ تال كان
عَلَيْهِمْ
في وقت من الأوقات ، ينقلهم من حال إلى حال ، فيرقيهم في مدارج القرب ومعارج الكمال ، إلى أعلى الرتب ، بأنهم
يَخِرُّونَ
أي يسقطون بسرعة ؛ وأكد السرعة وأفاد الاختصاص بقوله تعالى :
لِلْأَذْقانِ
باللام دون إلى أو على ، دالا بالأذقان على أنهم من شدة ما يحصل لهم من الخشوع يسقطون سقوط من ليس له اختيار ، وأول ما يلاقي الأرض ممن يسقط كذلك ذقنه ، وهو مجتمع اللحيين من منبت لحيته - فإن الإنسان مجبول بالطبع على صيانة وجهه ، فهو يرفع رأسه فتصير ذقنه وفمه أقرب ما في وجهه إلى الأرض حال السقوط ، ولهذا قال شاعرهم : فخر سريعا لليدين وللفم . ثم بين أن ذلك ليس سقوطا اضطراريا من كل جهة بقوله تعالى :
سُجَّداً *
أي يفعلون ذلك لما يعلمون من حقيته بما أوتوا من العلم السالف ، وما في قلوبهم من الإذعان ، والخشية للرحمن
وَيَقُولُونَ
أي على وجه التحديد المستمر :
سُبْحانَ رَبِّنا
أي تنزه الموجد لنا ، المدبر لأمورنا ، المحسن إلينا ، عن شوائب النقص ، لأنه وعد على ألسنة رسلنا أن يبعثنا بعد الموت ووعده الحق ، فلا بد أن يكون ، ووعد أن يأتي بهذا الكتاب على لسان هذا النبي العربي ، وأوصل هذا الوعد إلينا في الكتب السالفة فأنجز ما سبق به وعده
إِنْ
أي إنه
كانَ
أي كونا لا ينفك
وَعْدُ رَبِّنا
أي المحسن إلينا بالإيمان ، وما تبعه من وجوه العرفان
لَمَفْعُولًا *
دون خلف ، ولا بد أن يأتي جميع ما وعد به من الثواب والعقاب ، وهو تعريض بقريش حيث كانوا يستهزئون بالوعيد في قولهم
أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً
ونحوه مما معناه الطعن في قدرة اللّه
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 436 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي