تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
الأشياء مجهولة ، وهي موجودة . فالسكنجبين خاصيته قمع الصفراء ، وحقيقة تلك الخاصية مجهولة ، وهي معلومة الوجود ، وليس وراء العلم بما سألوا عنه من الروح بعد فهمه من الفائدة ما لذلك الذي تركوه ولا قريب منه ، فقال تعالى دالا على حدوثه بتغيره ، فإنه يكون في المبدإ جاهلا ثم يحدث له العلم شيئا بعد شيء ، وكل متغير حادث :
وَما أُوتِيتُمْ
أي من أيّ مؤت كان بعد أن كنتم لا تعلمون شيئا
مِنَ الْعِلْمِ
أي مطلق هذه الحقيقة ، فكيف بالمشكل منها
إِلَّا قَلِيلًا *
ومما تجهلونه أمور ضرورية لكم ، لأن تماديكم على الجهل بها سبب لهلاككم في الدارين ، فمن أجهل الجهل وأضل الضلال أن تسألوا عما لا يضركم الجهل به ، ويتوقف إثباته على أمور دقيقة ، ومقدمات صعبة ، وتتركوا ما يضركم الجهل به في الدين والدنيا ، مع كونه في غاية الوضوح ، لكثرة ما قام عليه من الأدلة ، وله بحضرتكم من الأمثلة ، والذي سألتموه منزه عن الغش والضيق ، فهو ينبهكم على عبثكم نصيحة لكم ويعدل عن جوابكم عنه إلى ما ينفعكم رفقا بكم ، ولفهم هذا سكت السلف عن الخوض في أمره ، والخطاب لليهود والعرب ، أما العرب فواضح ، وأما اليهود فإنهم وإن كانوا أهل الكتاب فذلك إشارة إلا تلاشي علمهم في جنب علم اللّه ؛ كما ستأتي الإشارة إليه بقول الخضر لموسى عليهما الصلاة والسّلام في العصفور الذي نقر من البحر نقرة أو نقرتين ، فحيث ورد تعظيم علم أحد وتكثره فهو بالنسبة إلى غيره من الخلق ، وحيث ورد تقليله - كما في هذه الآية - فهو من حيث إضافته إلى علم اللّه تعالى ، وهذه الآية ورد في سبب نزولها ما يظن أنه متناقض ، فإنه روي في الصحيح عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه أنه كان يمشي مع النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم في المدينة ، فسأله اليهود عن الروح فأوحى إليه ، فلما انجلى عنه الوحي تلا عليهم « 1 » - الآية . وفي السيرة الهشامية والدلائل للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن قريشا أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة تسألهم عن النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش ، فأمروهم أن يسألوه عن الروح ، وعن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين ، فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم : « أخبركم بما سألتم عنه غدا » - ولم يستثن ، فانصرفوا عنه ، فمكث فيما يذكرون خمس عشرة ليلة ، لا يحدث اللّه إليه في ذلك وحيا ، حتى أرجف به أهل مكة ، وحتى حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، وشق عليه
هامش
( 1 ) صحيح . وستأتي هذه القصة كاملة في الكهف فانظرها .