تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
عليه » « 1 » . هذا كله إذا كان الإعراض بالفعل ، وإن كان بالقوة التزمنا أنها كلية ، واللّه أعلم بالمهتدي فيحفظه من الإعراض واليأس بالفعل بما هو فيه بالقوة . ولما بين سبحانه - بعد التعجيب من إنكارهم البعث - جهل الإنسان ، وما هو عليه من الضلال والنسيان ، إلا من فضله على أنباء نوعه كما فضل طينته على سائر الطين ، وختم بآية المشاكلة التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع ، وبان بذلك أنه سبحانه وتعالى قادر على فعل ما يشاء عالم بكل معلوم ، رجع إلى التعجب منهم بما هو من شأن الأرواح التي من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفا على
وَقالُوا
إِذا كُنَّا عِظاماً
:
وَيَسْئَلُونَكَ
أي تعنتا وامتحانا
عَنِ الرُّوحِ
الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديدا : ما هي ؟ هل هي جسم أم لا ؟ وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن أم امتزاجه مبتدأ ؟ وهل هي قديمة أم حادثة ؟ ولما كان ذلك تعنتا ، مع أنه لا يفتقر إليه في صحة اعتقاد ، أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله تعالى :
قُلِ الرُّوحُ
أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية
مِنْ أَمْرِ رَبِّي
أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه ، تشريفا لها وإشارة إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين أمره ، بل هو يبدعها من العدم ، أو يقال - وهو أحسن : إن الخلق قسمان : ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير ، وهو الذي يترجم في القرآن بالخلق ، والثاني ما كان إخراجا من العدم بلا تسبيب ولا تطوير ، وهو المعبر عنه بالأمر ، ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح في القرآن ، وكذا ما هو للحفظ والتدبير كالأديان ، والجامع لذلك القيومية كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في البقرة ، فأفادت هذه العبارة أنها محدثة ، وأنها غير مطورة ولا مسببة ، وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد على الصحيح عند أهل السنة ، وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على الروح أدبا ، لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن السكوت عنه أولى لهم ؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة بتركهم الإقبال على ما يفهمونه بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا الروح المعنوي وهو القرآن ، وإقبالهم على ما لا يفهمونه من الروح المحسوس لقلة علمهم ، ومن فهمه منهم لا يفهمه إلا بعسر عظيم ، وفيه أسئلة كثيرة جدا لا برهان على أجوبتها ، منها أنه متحيز أم لا ؟ وأنه مغاير للنفس أم لا ؟ وهل تبقى بعد الموت أم لا ؟ فعلمنا به أنه إنما هو على الإجمال ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه ، فإن أكثر حقائق
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 6 / 443 وإسناده منقطع الزهري لم يلق أبا الدرداء قاله الهيثمي في المجمع 7 / 196 فالخبر ضعيف .