تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل ، وإخراج المرسل ، وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتا عن الروح الحسي ، وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهما عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم اللّه شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجدا ، وأطهرهم نفسا ، وأعظمهم مولدا ، وأزكاهم عنصرا ، وأعلاهم همة ، وختم بتقليل علمهم إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما لا يفهمونه ، قال عاطفا على
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
تنبيها لهم على أنه لو شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه ، فعمهم الجهل كما كانوا ، وعلى أنه لم يكفهم ترك السؤال عما يعنيهم حتى سألوا عما لا يعنيهم ، وأرادوا تبديل ما ينفعهم ويعنيهم بما يبيدهم ويفنيهم ، فضلوا قولا وفعلا :
وَلَئِنْ شِئْنا
ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء ، ولامه موطئة للقسم ، وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال تعالى :
لَنَذْهَبَنَّ
أي بما لنا من العظمة ذهابا محققا
بِالَّذِي أَوْحَيْنا
أي بما لنا من العظمة
إِلَيْكَ
مما أرادوا الفتنة فيه من القرآن على أن فيه من العلم ما يغنيهم - لو أقبلوا على تفهمه - عن شيء من الأشياء فلا تبقى عندك نحن ولا وحينا ، ولإفادة هذا لم يقل : لأذهبنا .
ثُمَّ
أي بعد الذهاب به
لا تَجِدُ لَكَ
ولما كان السياق هنا للروح الذي هو الوحي ، فكانت العناية به أشد ، قدم قوله :
بِهِ
ولما كان السياق لمن يأخذ ما يريد طوعا أو كرها ، قال تعالى :
عَلَيْنا
أي بما لنا من العظمة التي لا تعارض
وَكِيلًا *
يأتيك به أو بشيء منه . ولما كان لا ملجأ منه سبحانه إلا إليه ، قال تعالى :
إِلَّا
أي لكن تجد
رَحْمَةً
مبتدئة وكائنة
مِنْ رَبِّكَ
أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباك ، ولم يقطع إحسانه قط عنك ، يعيد بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه ، وعبر عن أداة الانقطاع بأداة الاتصال إشارة إلى أن رحمته سبحانه له - التي اقتضتها صفة إحسانه إليه لعظمها - كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال . ولما كان في إنزاله إليه ثم إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا يحصى ، نبه على ذلك بقوله تعالى مستأنفا مؤكدا لأن كون الرحمة هكذا من أغرب الغريب ، فهو بحيث لا يكاد يصدق ، وهو مما يتلذذ بذكره
إِنَّ فَضْلَهُ كانَ
أي كونا ثابتا
عَلَيْكَ
أي خاصة
كَبِيراً *
أي بالغ الكبر ، وقد ورد أنه يذهب بالقرآن في آخر الزمان ، يسري بما في المصاحف وبما في القلوب ، وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن كلام الملوك يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق الشرط .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 423 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي