ما يتكلم به أهل مكة « 1 » ، وروي أيضا أن لبث الوحي كان أربعين ليلة . وروي : اثنتي عشرة ليلة ، وفي مسند أبي يعلى عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قالت قريش ليهود : أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل ! فقالوا : سلوه عن الروح ، فسألوه ، ونزلت
وَيَسْئَلُونَكَ
« 2 » - الآية . وليس ذلك وأمثاله بحمد اللّه بمشكل ، فإنه محمول على أنه نزل للسبب الأول ، فلما سئل عنه النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ثانيا لم يجب فيه بالجواب الأول ، إما لرجاء أن يؤتى بأوضح منه ، أو خشية أن يكون نسخ - أو نحو ذلك لأمر رآه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، فيعيد اللّه سبحانه إنزاله عليه تثبيتا له وإعلاما بأنه هو الجواب ، وفيه مقنع ، وفي تأخير الجواب في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند اللّه ، لا يقدر عليه غيره ، لأنه لو كان قادرا على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند أحد من الخلق لبذل جهده في ذلك ، تنزيها لنفسه الشريفة ، وهمته المنيفة ، وعرضه الطاهر ، عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم . ولما كانت الروح من عالم الأمر الذي هو من سر الملكوت ، ضمت إلى سورة الإسراء الذي هو من أبطن سر الملكوت لا سيما بما علا به من المعراج الذي جعل لغرابته كالرؤيا
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ
ولذلك فصلت عن السؤالين الآخرين ، لأنهما من عالم الملك ، وسيأتي بقية الكلام على هذا في سورة الكهف إن شاء اللّه تعالى .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 86 إلى 93 ]
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ( 86 ) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 ) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 89 ) وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ( 90 )
أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ( 91 ) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً ( 92 ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً ( 93 )
هامش
( 1 ) تأتي في الكهف إن شاء اللّه .
( 2 ) أخرجه ابن حبان 99 وأحمد 1 / 255 والترمذي 3140 والنسائي في التفسير « تحفة 5 / 133 » عن ابن عباس وهو حديث حسن صحيح . قلت : ويعارضه حديث ابن مسعود المخرّج في الصحيح وسيأتي تخريجه في الكهف والكلام عليه هناك .