السّلام للدلالة على تبديلهم النعمة ظلما منهم وكفرا ، في أسلوب دال على البعث ، مشير إلى وجوب براءتهم من الأصنام حيث كان محط حالهم فيها تقليد الآباء وهو أعظم آبائهم ، وإلى ما سنه لهم من إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالإنفاق وغيره ، فقال ناعيا عليهم - مع المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل - عقوق أبيهم الأعظم ، عطفا على
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
أو على
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
:
وَإِذْ
أي واذكر لهم مذكرا بأيام اللّه خبر إبراهيم إذ
قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ
أي أيها المحسن إليّ بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلدا عظيما .
ولما كان السياق لإخراج الرسل من محالهم ، وكان ذلك مفهما لأن المحل الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه ، واتبعه سبحانه بأن المتعرضين بدلوا نعمة اللّه - بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلدا - بما أحدثوا فيه من الإخافة لخير أهله ، ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير ، كان الأنسب تعريفه فقال :
اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ
أي الذي يريدون إخراج الرسول منه
آمِناً
أي ذا أمن بأمان أهله ، وكأن هذا الدعاء صدر منه بعد أن سكن الناس مكة وصارت مدينة ، والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه بها مع أمه وهي خالية عن ساكن ، فدعا أن يجعلها اللّه بلدا ، وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة بالأمن ، وهو سكون النفس إلى زوال الضر .
ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان ، أتبعه الدعاء بالأمن من فساد الأديان ، فقال :
وَاجْنُبْنِي
أي اصرفني
وَبَنِيَّ
أي لصلبي ، وأسقط البنات إشارة إلى الاستقلال ، وإنما هن تابعات دائما
أَنْ نَعْبُدَ
أي عبادة مستمرة تكون موجبة للنار
الْأَصْنامَ *
أي اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها ، والصنم : المنحوت على خلقة البشر ، وما كان منحوتا على غير خلقة البشر فهو وثن - قاله الطبري عن مجاهد ؛ تم بين زيادة الاهتمام بأمر الأصنام بإعادة النداء ، وأسقط الأداة - زيادة في التملق « 1 » بكونه من أهل القرب والانقطاع إليه سبحانه معللا لما قبله -
في قوله :
رَبِّ
بإفراد المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام واحد
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ
إسناد مجازي علاقته السببية
كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ
أي فتسبب عن بغضي لهن أني أقول : من
تَبِعَنِي
من جميع الناس في تجنبها
فَإِنَّهُ مِنِّي
أي من حزبي لكونه على طريقتي وديني ، فأتني ما وعدتني فيه من الفوز
وَمَنْ عَصانِي
فضل بها فقد استحق النار ، فإن عذبته فهو عبدك ، وإن
هامش
( 1 ) تملّقه : تودد إليه وتلطّف له ، والملق : الودّ واللطف .