تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
عددتموها بها كما كانت عادة العرب ، أو لا تجدوا من الحصى ما يوفي بعددها ، هذا في النعمة الواحدة فكيف بما زاد ! فهذا شرح قوله أول السورة
اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
وقد ظهر به أنه لا يوجد شيء إلا وهو ملك اللّه فضلا عن أن يوجد شيء يدانيه فضلا عن شيء يماثله ، فثبت أنه لا بيع ولا خلال يوم دينونة العباد ، وتقريب العجز عن العد للإفهام أن السلامة من كل داء ذكره الأطباء في كتبهم - على كثرتها وطولها - نعمة على العبد ، وذلك متعسر الحصر ، وكل ما ذكروه صريحا في جنب ما دخل تحت كلياتهم تلويحا - قليل ، فكيف بما لم يطلعهم اللّه عليه ولم يهدهم بوجه إليه ، هذا في الجسم ، وأما في العقل فالسلامة من كل عقد زائغ ، ودين باطل وضلال مائل ، وذلك لا يحصيه إلا خالق الفكر وفاطر الفطر سبحانه ، ما أعزه وأعظم شأنه ! . ولما كان أكثر هذه السورة في بيان الكفرة وما لهم ، وبيان أن أكثر الخلق هالك معرض عما يأتيه من نعمة الهداية على أيدي الرسل الدعاة إلى من له جميع النعم للحياة الطيبة بسعادة الدارين ، ختم الآية ببيان ما اقتضى ذلك من صفات الإنسان فقال :
إِنَّ الْإِنْسانَ
أي هذا النوع لما له من الأنس بنفسه ، والنسيان لما ينفعه ويضره ، والاضطراب بسبب ما يغمه ويسره
لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
أي بليغ الظلم والكفر حيث يهمل الشكر ، ويتعداه إلى الكفر ، وختم مثل ذلك في سورة النحل ب
غَفُورٌ رَحِيمٌ
لأن تلك سورة النعم ، بدئت بالنهى عن استعجال العذاب ، لأن الرحمة أسبق ، ومن الرحمة إمهال الناس وإمتاعهم بالمنافع ، فالتقدير إذن هناك :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
ولكن ربه لا يعاجله بالعقوبة لأنه غفور رحيم ، وأما هذه السورة فبدئت بأن الناس في الظلمات .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 37 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) ولما انقضى المأمور به من القول لكافر النعمة وشاكرها وسبب ذلك والدليل عليه ، وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها ، فلا يصح أصلا أن يكون شيء منها شريكا . أمره صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم أن يذكرهم بأيام اللّه عند أبيهم إبراهيم عليه