تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
قلوبا ، وأصفاهم عقولا . وأنفذهم أفكارا ، وأمتنهم آراء ، فمن ألزم منهم بطريق النجاة ومن أحذر منهم لطرق الهلاك ؟ مع ما أوقعوا أنفسهم فيه من هذا الداء العضال . ولما تقرر أنهم على الضد من جميع ما يدعونه فكانوا بذلك أهلا للإعراض عنهم ، وكان صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم بمعرض أن يقول : فماذا أفعل بهم وقد أمرتني بإخراجهم إلى صراطك ؟ أمره أن يدق أعناقهم بإخبارهم أن ما أضلهم من النعم إنما هو استدراج ، فقال :
قُلْ
أي تهديدا لهم فإنهم لا يشكون في قولك وإن عاندوا :
تَمَتَّعُوا
وبالغوا في فعل البهائم مهما قدرتم ، فإن ذلك ضائركم غير نافعكم
فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ
أي صيرورتكم
إِلَى النَّارِ *
بسبب تمتعكم على هذا الوجه . ولما ذكر كفرهم وضلالهم عن السبيل وما أمره صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم بأن يقول لهم ، وكان ذلك محركا لنفس السامع إلى الوقوف على ما يقال لمن خلع الأنداد ، وكان أوثق عرى السبيل بعد الإيمان وأعمها الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر ، والنفقة الشاملة لوجوه البر ، أمره تعالى أن يندب أولياءه إلى الإقبال إلى ما أعرض عنه أعداؤه ، والإعراض عما أقبلوا بالتمتع عليه من ذلك ، فقال
قُلْ لِعِبادِيَ
فوصفهم بأشرف أوصافهم ، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحبيبا لهم فيه ، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم فقال :
الَّذِينَ آمَنُوا
أي أوجدوا هذا الوصف . ولما كان قوله صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم أحسن قول ، فهو جال لصدأ القلوب ، وموجب لتهذيب النفوس ، قال جازما :
يُقِيمُوا الصَّلاةَ
التي هي زكاة القوة وصلة العبد بربه
وَيُنْفِقُوا
وخفف عنهم بقوله :
مِمَّا رَزَقْناهُمْ
أي بعظمتنا ، فهو لنا دونهم ، من أنواع النفقات المقيمة لشرائعه من الصدقات وغيرها ، إتقانا لما بينهم وبينه من الأسباب لينقذوا أنفسهم من النار ، واقتصر على هاتين الخلتين لأنه لم يكن فرض في مكة غيرهما مع ما تقدم من فضلهما وعمومهما ، ولعله سيق سياق الشرط تنبيها لهم على أن مجرد قوله صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم أقوى الأسباب فيجب عليهم ألا يتخلفوا عنه أصلا ؛ ثم أشار إلى المداومة على هاتين الخصلتين بقوله :
سِرًّا وَعَلانِيَةً
ويجوز أن يراد بالسر النافلة ، وبالعلانية الفرض ؛ ثم رهب من تهاون في خدمته من اليوم الذي كان الإعراض عنه سبب الضلال ، فقال مشيرا بالجار إلى قصر مدة أعمالهم :
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
أي عظيم جدا ليس هو كشيء من الأيام التي تعرفونها
لا بَيْعٌ فِيهِ
لأسير بفداء
وَلا خِلالٌ *
أي مخالات وموادات يكون عنها شفاعة أو نصر ، جمع خلة كقلة وقلال ، أو هو مصدر ، وذلك إشارة إلى أنه لا يكون شيء منهما سببا لخلاص هالك .