[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 32 إلى 34 ]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ( 32 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ( 33 ) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( 34 )
ولما نفى جميع الأسباب النافعة في الدنيا في ذلك اليوم ، كان كأنه قيل : فمن الحكم فيه حتى أنه يسير سيرة لا نعرفها ؟ فقيل :
اللَّهُ
أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء ؛ ثم أتبعه بصفات تدل على ما دعا إليه الرسل من وحدانيته وما أخبروا به من قدرته على كل شيء فلا يقدر أحد على مغالبته ، وعلى المعاد وعلى غناه فلا يبايع ، فقال :
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
وهما أكبر خلقا منكم وأعظم شأنا ، ثم عقبه بأدل الأمور على الإعادة مع ما فيه من عظيم المنة بأن به الحياة ، فقال :
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
ولما كان ذلك سبب النمو قال :
فَأَخْرَجَ بِهِ
أي بالماء الذي جعل منه كل شيء حي
مِنَ الثَّمَراتِ
أي الشجرية وغيرها
رِزْقاً لَكُمْ
بعد يبس الأرض وجفاف نباتها ، وليس ذلك بدون إحياء الموتى ؛ ثم أتبعه ما ادخره في الأرض من مياه البحار والأنهار ، وذكر أعم ما يظهر من البحار فقال :
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ
وعلل ذلك بقوله :
لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ
ولما كان ذلك أمرا باهرا للعقل ، بين عظمته بقوله :
بِأَمْرِهِ
ولما كانت الأنهار من النعم الكبار بعد نعمة البحار ، قال :
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ *
ثم أتبعه ما جعله سببا لكمال التصرف وإنضاج الثمار المسقيّة بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض فقال :
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
حال كونهما
دائِبَيْنِ
أي في سيرهما وإنارتهما وما ينشأ عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات والحيوان ؛ قال الرماني : والدؤوب : مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه ؛ ثم ذكر تعالى ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال :
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ
أي الذي القمر آيته
وَالنَّهارَ *
أي الذي الشمس آيته ، يوجد كل منهما بعد تصرمه ، ولو كان أحدهما سرمدا لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما هو كذلك حيث لا تغرب الشمس في الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال ؛
ثم عم بعد أن خص فقال :
وَآتاكُمْ .
ولما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال :
مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ
أي ما أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة ؛ ثم حقق وجه العظم بفرض ما يوجب العجز فقال :
وَإِنْ تَعُدُّوا
أيها الناس كلكم
نِعْمَتَ اللَّهِ
أي تروموا عد إنعام الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عدّه ، وعبر عنه بالنعمة إرشادا إلى الاستدلال بالأثر على المؤثر
لا تُحْصُوها
أي لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن