تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
لَسَمِيعُ الدُّعاءِ *
أي من شأنه إجابة الدعاء على الوجه الأبلغ تعريضا بالأنداد وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم ، فقد تقدم في سورة البقرة عن التوراة أنه لما خلّص ابن أخيه لوطا من الأسر قال له اللّه : يا إبراهيم ! أنا أكانفك وأساعدك لأن ثوابك قد جزل ، فقال إبرم : اللهم ربي ! ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسل ويرثني اليعازر غلامي الدمشقي ؟ فقال له الرب : لا يرثك هذا ، بل ابنك الذي يخرج من صلبك فهو يرثك ، وقال له : انظر إلى السماء وأحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها ، فكذلك تكون ذريتك ، فآمن إبرم باللّه . ولما تم الحمد على النعمة بعد الدعاء بالتخلي من منافي السعادة وختمه بالحمد على إجابة الدعاء ، انتهز الفرصة في اتباعه الدعاء بالتحلي بحلية العبادة التي أخبر أنها قصده بإسكانه من ذريته ثم إقامتها ، إشارة إلى صعوبتها على النفس إلا بمعونة اللّه فقال :
رَبِّ
أي أيها الموجد لي المالك لأمري
اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ
أي هذا النوع الدال على غاية الخضوع ، دائم الإقامة لها ، وكأن اللّه تعالى أعلمه بأنه يكون من ذريته من يكفر فقال أدبا :
وَمِنْ ذُرِّيَّتِي .
ولما كانت أعظم الأركان بعد الإيمان ، أفرد الضمير للدعاء بها متملقا للّه تعالى بما عليه من النعم التي لم ينعمها على أحد كان في ذلك الزمان غيره ، كما أشار إلى ذلك باسم الرب ، ثم زاد في التضرع بقوله :
رَبَّنا
أي أيها المحسن إلينا ، وجمع الضمير المضاف إليه بالنظر إلى من تبعه من ذريته لأن ما بعده كلام آخر ، أي رب وربّ من وفقته بتربيتك وإحسانك لإقامة الصلاة من ذريتي
وَتَقَبَّلْ دُعاءِ *
كله بذلك وغيره ، بأن تجعله مقبولا جعل من كأنه راغب فيه مفتن به .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 41 إلى 46 ]

رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ( 41 ) وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ ( 42 ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ( 43 ) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ ( 44 ) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ ( 45 ) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 ) ولما كان الإنسان ولو اجتهد كل الاجتهاد - محل العجز الموجب للتقصير المفتقر للستر ، قال مشيرا إلى ذلك :
رَبَّنَا
أي أيها المالك لأمورنا المدبر لنا
اغْفِرْ لِي
ثم