تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
آله وسلم قال : « المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه » ، فذلك قوله تعالى
يُثَبِّتُ اللَّهُ »
« 1 » الآية . ولما أخبر سبحانه أنه هو الفاعل وحده ، أتبعه الدليل عليه وعلى إضلال الذين بدلوا الكلمة الطيبة من التوحيد بالإشراك وزلزلتهم واجتثات كلمتهم فقال :
أَ لَمْ تَرَ
وأشار إلى بعدهم عن مقامه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم بقوله :
إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا
والتبديل : جعل الشيء مكان غيره
نِعْمَتَ اللَّهِ
أي المستجمع لصفات الكمال التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد ، وما أورثهم من دين أبيهم إسماعيل عليه السّلام ومن جميع النعم الدنيوية من أمن البلد وتيسير الرزق وغير ذلك ، بأن جعلوا مكان شكرها
كُفْراً
وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان ، وأعلاهم همما في الوفاء ، وأبعدهم عن الخناء
وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ
بذلك
دارَ الْبَوارِ *
أي الهلاك ، مع ادعائهم أنهم أذب الناس عن الجار فضلا عن الأهل ، روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة « 2 » . والبوار : الهلاك الزائد ، والإحلال : جعل الشيء في محل ، فإن كان جوهرا فهو إحلال مجاورة . وإن كان عرضا فهو إحلال مداخلة . ولما أفاد أنها مهلكة ، بينها بما يفهم أنها تلقاهم بالعبوسة كما كانوا يلقون أولياء اللّه من الرسل وغيرهم بذلك فقال :
جَهَنَّمَ
حال كونهم
يَصْلَوْنَها
أي يباشرون حرها مع انغماسهم فيها بانعطافها عليهم ؛ ولما كان التقدير : فبئس الإحلال أحلوه أنفسهم وقومهم ، عطف عليه قوله :
وَبِئْسَ الْقَرارُ *
ذلك المحل الذي أحلوهم به .

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 30 إلى 31 ]

وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ( 30 ) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ( 31 ) ولما كان هذا فعل من لا عقل له ، بينه بقوله :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ
الذي يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا رزقهم لأن له الكمال كله
أَنْداداً
وقال :
لِيُضِلُّوا
أي بأنفسهم على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ، ويعموا غيرهم على قراءة الباقين
عَنْ سَبِيلِهِ
لأنهم إن كانوا عقلاء فإنهم يعلمون أن هذا لازم لفعلهم فهم قاصدون له ، وإلا فلا عقول لهم ، لأنه لا يقدم على ما لا يعلم عاقبته إلا أبله ، وهم يقولون : إنهم أبصر الناس
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4699 ومسلم 2871 وأبو داود 4750 والترمذي 3120 والنسائي في الكبرى 11264 وابن ماجة 4269 كلهم من حديث البراء بن عازب بألفاظ متقاربة . ( 2 ) موقوف . أخرجه البخاري 4700 في تفسير سورة إبراهيم عن ابن عباس قال : هم كفار أهل مكة .