يبالي بالظواهر في أحوال الضرائر ، فرفع اللّه سبحانه وتعالى عنهم الجناح بحسن نياتهم وإخلاصهم للّه سبحانه وتعالى عملهم ، فبهذا النحو من التقاصر في هذه الرتبة انتظم افتتاح هذا الخطاب بما قبله من أحوال الذين آمنوا من المبتلين بما ذكر - انتهى .
مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
أي أعلام دين الملك الأعلى الذي دان كل شيء لجلاله . وقال الحرالي :
وهي أي الشعائر ما أحست به القلوب من حقه ، وقال : والشعيرة ما شعرت به القلوب من أمور باطنة
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
[ الحج : 32 ] وإنما ذكرها تعالى بالشعائر وعملها معلم من معالم الإسلام وحرمة من حرم اللّه لما كان حكم في أمر القلوب التي كان في ضمائرها تحرجهم فمن حيث ذكرها بالشعيرة صححها الإخلاص والنية
فَمَنْ حَجَّ
من الحج وهو ترداد القصد إلى ما يراد خيره وبره . وقال الأصفهاني : أصله زيادة شيء تعظمه - انتهى .
الْبَيْتَ
ذكر البيت في الحج والمسجد الحرام في التوجه لانتهاء الطواف إلى البيت واتساع المصلى من حد المقام إلى ما وراءه لكون الطائف منتهيا إلى البيت وكون المصلي قائما بمحل أدب يؤخره عن منتهى الطائف مداناة البيت ، وذكره تعالى بكلمة
« مِنْ »
المطلقة المستغرقة لأولي العقل تنكبا بالخطاب عن خصوص المتحرجين ، ففي إطلاقه إشعار بأن الحج لا يمنعه شيء مما يعرض في مواطنه من مكروه الدين لاشتغال الحاج بما هو فيه عما سواه ، ففي خفي فقهه إعراض الحاج عن مناكر تلك المواطن التي تعرض فيها بحسب الأزمان والأعصار ، ويؤكد ذلك أن الحج آية الحشر وأهل الحشر
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
[ عبس : 37 ] فكذلك حكم ما هو آيته ؛ وحج البيت إتيانه في خاتمة السنة من الشهور الذي هو شهر ذي الحجة أنه ختم العمر ، كما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث ختم اللّه سبحانه وتعالى عمره بعمل الحج ؛ قال سبحانه وتعالى
أَوِ اعْتَمَرَ
فذكر العمرة مع الحج لما كان الطواف بين الصفا والمروة من شعائر العملين
فَلا جُناحَ
وهو المؤاخذة على الجنوح ، والجنوح الميل عن جادة القصد - انتهى
عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ
أي يدور بهمة وتعمد ونشاط
بِهِما
باديا بما بدأ اللّه . قال الحرالي : رفع الجناح عن الفعل حكم يشترك فيه الجائز والواجب والفرض والمباح حتى يصح أن يقال : لا جناح عليك أن تصلي الظهر ، كما يقال : لا جناح عليك أن تطعم إذا جعت ؛ وإنما يشعر بالجواز والتخيير نفي الجناح عن الترك لا عن الفعل ، كما قال عليه الصلاة والسّلام للذين سألوه عن العزل : « لا جناح عليكم أن لا تفعلوا » « 1 » أي أن لا تنزلوا ، لأن الفعل كناية عن الثبوت لا عن الترك الذي هو معنى
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 2542 ، 5210 ومسلم 1438 وأبو داود 2172 والبيهقي 7 / 229 والبغوي 2295 ومالك 2 / 594 والطحاوي 3 / 33 وابن حبان 4193 وابن أبي شيبة 4 / 222 وأحمد 3 / 68 -