تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
ما أخذ من أنفسهم وما معها ذخيرة عنده ، فيكون ذلك شاهد إيمانهم ورجائهم للقائهم فتقع مجاهدتهم لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل اللّه الذي فاتهم وجعلها جامعة مطلقة لكل من أصابته مصيبة فاسترجع بها ثبت أجره بما أصيب وتلاقاه اللّه بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه ذلك قال :
أُولئِكَ
خطابا لنبيه واستحضارا لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم . قال :
عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ
صلاة اللّه على عباده هي إقباله عليهم بعطفه إخراجا لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور ، قال :
هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ الأحزاب : 43 ] فبصلاتهم عليهم إخراجهم من جهات ما أوقعهم في وجوه تلك الابتلاءات ، فلذلك كان ذلك صلوات بالجمع ولم يكن صلاة ليعدد ما أصابهم منه عدد تلك الابتلاءات ، وفي قوله تعالى :
مِنْ رَبِّهِمْ
إشعار بتدريجهم في ذلك بحكم تربية وتدارك الأحوال ما أصابهم ، قال تعالى :
وَرَحْمَةٌ
إفراد لمنالها لهم بعد متقدم الصلوات عليهم ، فنالتهم الرحمة جمعا حين أخرجتهم الصلوات أفرادا . قال تعالى :
وَأُولئِكَ
إشارة إلى الذين نالتهم الصلوات والرحمة فأبقاهم مع ذلك في محل بعد في الحضرة وغيبة في الخطاب
هُمُ الْمُهْتَدُونَ
فجاء بلفظ
عَلَيْهِمْ
إشعارا بصلاح بواطنهم عما جره الابتلاء من أنفسهم - انتهى . والذي يلوح لي أن أداة البعد في
أُولئِكَ
إشارة إلى علو مقامهم وعز مرامهم ، ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الاسمية على وجه يفهم الحصر ؛ والصلاة الإنعام بما يقتضي التشريف ، والرحمة الإنعام بما يقتضي العطف والتحنّن - واللّه سبحانه وتعالى الموفق ؛ وفي ذلك إشارة إلى الأمر بالإعراض عن أهل الكتاب فيما يطعنون عليهم به بألسنتهم والإملاء لهم إلى حين الإذن في مطاعنتهم بالرماح ومصالتتهم ببيض الصفاح ، كما في الآية الأخرى
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ
[ الأعراف : 186 ] إلى آخرها ويمكن أن يراد « بالخوف الجهاد » . وبالجوع الصوم ، وبنقص الأموال زكاة الصامت من المال ، وبالأنفس زكاة الحيوان ، وبالثمرات زكاتها ؛ لكن الأنسب لافتتاح الآية واختتامها وما تقدمها وتلاها أن تكون مقصورة على الجهاد . ولما فرغ مما أراد من أحوال الطاعنين في القبلة التي هي قيام للناس وما استتبع ذلك مما يضطره إليه في إقامة الدين من جدالهم وجلادهم وختم ذلك بالهدى شرع في ذكر ما كان البيت به قياما للناس من المشاعر القائدة إلى كل خير الحامية عن كل ضير التي جعلت مواقفها أعلاما على الساعة لا سيما والحج أخو الجهاد في المشقة والنزوح عن الوطن وقد سماه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أحد الجهادين « 1 » مع أنه من أعظم مقاصد البيت
هامش
( 1 ) صحيح . يشير المصنف لحديث عائشة قالت : « قلت : يا رسول اللّه ألا نغزو ، ونجاهد معكم ؟ فقال : -