في زماننا عن عداوتهم لجبريل عليه السّلام فلم يسمح بالتصريح وقال : ما يعطى ذلك .
وقد روى هذا الحديث أيضا إسحاق بن راهويه « 1 » في مسنده عن الشعبي « 2 » عن عمر رضي اللّه عنه ، قال شيخنا البوصيري « 3 » : وهو مرسل صحيح الإسناد وفيه : أنه قال لهم :
« وكيف منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب الآخر ، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا » .
ولما بين سبحانه بهذا أنهم أعتى الناس وأشدهم تدليسا وبهتا بل كذبا وفسقا كانوا أحق الناس بوصف الكفر فسبب عن ذلك قوله :
فَلَعْنَةُ اللَّهِ
أي الذي له الأمر كله
عَلَى الْكافِرِينَ
فأظهر موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف ليعم وإشعارا بصلاح من شاء اللّه منهم . ولما استحقوا بهذا وجوه المذامّ كلها وصل به قوله
بِئْسَمَا
فأتى بالكلمة الجامعة للمذام المقابلة لنعم الجامعة لوجوه المدائح كلها أي بئس شيء
اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ
أي حظوظهم ، فقدموها وآثروها فكان ذلك عين فأخبرها عكس ما فعل المؤمنون من بيعهم لأنفسهم وخروجهم عنها بتعبدهم للّه بإيثار ما يرضيه على هوى أنفسهم ، فكان ذلك عين تحصيلها وتقديمها ، ثم فسر الضمير العائد على المبهم المأخوذ في إحراز النفس فقال :
أَنْ يَكْفُرُوا
أي يستروا على التجدد والاستمرار علمهم
بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
الذي لا كفؤ له ، أي اشتروا أنفسهم فأبقوها لهم على زعمهم بالكفر ولم يجعلوها تابعة ؛ ويجوز أن يكون
اشْتَرَوْا
بمعنى باعوا ، لأنهم بذلوها للشيطان بالكفر كما بذل المؤمنون أنفسهم للّه بالإيمان .
ثم علل كفرهم بقوله :
بَغْياً
أي حسدا وظلما لأن تكون النبوة في بني إسماعيل عليه السّلام . وقال الحرالي : هو اشتداد في طلب شيء ما - انتهى . وأصله مطلق الطلب والإرادة ، كأن الإنسان لما كان مجبولا على النقصان ومطبوعا على الشر والعصيان إلا من عصم اللّه وأعان كان مذموما على مطلق الإرادة ، لأن من حقه أن لا تكون له خيرة ولا إرادة بل تكون إرادته تابعة لإرادة مولاه كما هو شأن العبد - واللّه الموفق .
ثم علل بغيهم بقوله :
أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ
ذو الجلال والإكرام
مِنْ فَضْلِهِ
وفي صيغة
يُنَزِّلَ
إشعار بتمادي ما يغيظهم فيما يستقبل ، وبشرى للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين
هامش
( 1 ) هو الإمام صاحب التصانيف إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المروزي ، ثم النيسابوري الحافظ توفي سنة 238 .
( 2 ) هو الإمام علامة التابعين عامر بن شراحيل الشعبي كان إماما حافظا فقيها توفي بعد المائة ، وله نحو من ثمانين .
( 3 ) هو الإمام الحافظ أحمد بن بكر البوصيري من تصانيفه زوائد سنن ابن ماجة توفي سنة : 840 .