تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
( 21 ) [ الأحزاب : 21 ] يحتج بها على التأسي به في أفعاله ، ثم اختلف في فعله صلّى اللّه عليه وسلّم فقيل : يقتضي الوجوب / [ 335 ل ] ، وقيل : الندب ، وقيل : الإباحة ، والصحيح أن ما كان عاديا كالأكل والشرب والجماع فللإباحة ، وهيئاته للندب كالأكل مستوفزا غير متكئ ، والشرب في ثلاثة أنفاس ، وما كان وجه القربة ، فإن وقع بيانا لمجمل فحكمه حكم المبين ، وإن لم يقع بيانا فإن صرح بحكمه وجوبا أو ندبا أو غيره ، أو دل عليه قرينة فهو ذاك ، وإلا فالإباحة متيقنة ، والندب والوجوب في محل الإجمال موقوف على البيان . احتج من قال بأن فعله للوجوب مطلقا بقوله - عزّ وجل - :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
( 21 ) [ الأحزاب : 21 ] فإنه جار مجرى الوعيد على ترك التأسي به وذلك يقتضي وجوب التأسي به . واعلم أن الاستدلال بهذه الآية على التأسي مبني على أن الآية في نفسها عامة ، ثم على أن الاعتبار في العام بعموم لفظه لا بخصوص سببه ؛ لأن هذه الآية إنما وردت على سبب خاص ، وهو اعتزال المنافقين القتال في غزوة الأحزاب مع مباشرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لها ، فقيل لهم : هلا تأسيتم برسول اللّه في لقاء العدو ، فلقد كان لكم فيه أسوة ، ألا تراه يقول :
يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ( 20 ) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
( 21 ) [ الأحزاب : 20 - 21 ] وما قيل ذلك يدل على هذا من تقاعد المنافقين وأراجيفهم ، لكن الأصلان ممنوعان ، أما عموم الآية فلأن
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
( 21 ) مطلق لا عام ، إذ هي نكرة في سياق إثبات ، والمطلق تتأدى وظيفة العمل به في صورة ما ، وقد تأسى به الناس في الإيمان والإسلام وكثير من الأحكام ، فلم يبق في الآية ما يقتضي وجوب التأسي به في عموم الأفعال ، وأما اعتبار عموم اللفظ دون خصوص السبب ففيه من الخلاف مع المالكية وغيرهم ما قد عرف وسبقت إليه الإشارة .
الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 504 | سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي