[ النساء : 64 ] هذه اللام تفيد تعليلا تكليفيا لا تكوينيا قدريا ، ومعناه : إنا أرسلنا الرسل لقصد تكليف الناس طاعتهم ، وليس المراد أنا أرسلناهم وقدرنا طاعة الخلق لهم ، إذ لو قدرت طاعتهم من جميع الخلق لكانت ، لكن الواقع بخلافه بدليل معصية الأكثر لهم ، وهذا هو القول في نحو :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذاريات : 56 ] وأشباهه ، وأما قوله - عزّ وجل
بِإِذْنِ اللَّهِ
فأفاد أن طاعة المطيع مشروطة بإذن اللّه - عزّ وجل - فيها وتقديره لها ، بحيث إنها بدون ذلك لا توجد ، وهذا متردد بين المعتزلة والجمهور ؛ لأن المعتزلة يقولون : أشار بإذن اللّه إلى الإمداد بالألطاف ، والأفعال مخلوقة للمكلفين . والجمهور يقولون : أشار به إلى أنه يخلق أفعالهم على وفق إرادتهم وأكسابهم ، أما باقي الآية وهو :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
( 64 ) [ النساء : 64 ] فيقوي به المعتزلة دعواهم [ إذ هم ] لا يكونون ظالمين بما هو فعل للّه - عزّ وجل - ولا مستغفرين منه ، ولو كان كذلك لكان اللّه - عزّ وجل - غافرا لفعل نفسه .
والجواب على رأي الكسبية والمجبرة معروف ، وقد تكرر في عدة مواضع ، وقد سبقت قاعدته .
قوله - عزّ وجل :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
( 65 ) [ النساء : 65 ] هذه عظيمة في الاعتصام بالسّنّة والتسليم لأمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقد / 50 ب / م ] تنازعتها فرق الأمة في المسائل التي كفر بها بعضهم بعضا ، إذ كل فرقة تقول للأخرى : لو آمنتم لسلمتم ما جاء عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لكنكم لم تسلموا فأنتم كفار أو ضلال وخصوصا الشيعة والسّنّة ؛ فإن الشيعة زعموا أن الصحابة لم يحكموا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر الإمامة ولم يسلموا له حكمه ؛ إذ خالفوا نصه عليّ يوم الغدير فخرجوا عن الإيمان بذلك .
والسّنّة قالوا لهم : أنتم لم تحكموا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم تسلموا له ، إذ نص على فضل - الصحابة - رضي اللّه عنهم - وقطع لهم بالجنة معينا منهم وغير معين ، ثم أنتم تكفرونهم فخرجتم عن الإيمان بذلك .
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
( 69 ) / [ 107 / ل ] [ النساء : 69 ] الآية