هامش
- اللّه تعالى من قلوبكم معرفته ، فلم يخرج بعد دعائه قطّ من بلخ صوفيّ ، مع أنها كانت أكبر بلاد اللّه صوفية ، وعقد الشيخ عبد اللّه ابن أبي حمزة رحمه اللّه تعالى مجلسا في الردّ عليه حين قال : أنا أجتمع بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقظة ، فلزم بيته ، فلم يخرج إلا للجمعة حتى مات .
وأخرجوا الحكيم الترمذي رحمه اللّه تعالى إلى بلخ بسبب كتابين صنّفهما ، فأغلظوا عليه ، وقالوا له :
أنت فضّلت الأولياء على الأنبياء ، فجمع كتبه ، وألقاها في البحر ، فابتلعتها سمكة سنين ثم لفظتها ، وانتفع الناس بها .
وأخرجوا الإمام يوسف بن الحسين الرازي رحمه اللّه تعالى ، وقام عليه زهّاد الريّ وصوفيتها .
وأخرجوا أبا عثمان المغربي رحمه اللّه تعالى من مكة مع كثرة مجاهدته ، وتمام علمه وحاله ، وضربوه ضربا مبرّحا ، وطافوا به على جمل ، فأقام ببغداد إلى أن مات فيها .
وشهدوا على الشبلي رحمه اللّه تعالى بالكفر مرارا مع تمام علمه وكثرة مجاهداته ، واتباعه للسنّة ، فأدخله أصحابه « المارستان » ليرجع الناس عنه مدة طويلة .
وقتلوا الحسين الحلاج رحمه اللّه تعالى بسبب كلمات وجدوها في كتبه ، قال ابن خلكان : وإنما سمي الحلاج ؛ لأنه جلس على دكان حلاج وبه مخزن قطن غير محلوج فذهب صاحب الدكان في حاجته ، ورجع فوجد القطن كله محلوجا ، فسمّي لذلك الحلاج . قال : وأما سبب قتله فلم يكن عن أمر يوجب القتل ، إنما عمل عليه الوزير حيلة حين أحضروه إلى مجلس الحكم مرات ، ولم يظهر منه ما يخالف الشريعة ، فقال الوزير لجماعة : هل له مصنّفات ؟ قالوا : نعم ، فذكروا أنهم وجدوا له كتابا فيه : أن الإنسان إذا عجز عن الحجّ فليعمد إلى غرفة من بيته ، فيطهّرها ، ويطيّبها ، ويطوف ، ويكون كمن حجّ البيت ، واللّه أعلم إن كان القول عنه صحيحا ، فطلبه القاضي ، فقال : هذا الكتاب تصنيفك ، فقال : نعم ، فقال : أخذته عن من ؟ فقال : عن الحسن البصري ولا يعلم الحلاج ما دسّوه عليه فيه . فقال القاضي :
كذبت يا حلال الدم . فمسك الوزير هذه الكلمة على القاضي ، فقال : هذا فرع عن حكمك بكفره ، وقال للقاضي : اكتب خطّك بالتكفير ، فامتنع القاضي ، فألزمه الوزير بذلك ، فكتب ، فقامت العامة على الوزير ، فخاف على نفسه ، فكلّم الخليفة في ذلك ، فأمر بالحلاج ، فضرب ألف سوط فلم يتأوّه ، وقطّعت يداه ورجلاه وصلب ، ثم أحرق بالنار ، ووقع الاختلاف بين الناس أهو الذي صلب ؟ أم رفع كما وقع في عيسى ابن مريم عليه السّلام ؟
وروي أنه لما قدّم لتقطّع يداه قطعت اليد اليمنى أولا ، فضحك ، ثم قطعت اليسرى فضحك ضحكا بليغا ، فخاف أن يصفرّ وجهه من نزف الدم ، فكبّ بوجهه على الدم السائل ، ولطّخ وجهه بدمه ، وأنشد يقول :اللّه اللّه إنّ الرّوح قد تلفت * شوقا إليك ولكنّي أمنّيهاونظرة منك يا سؤلي ويا أملي * أشهى إليّ من الدنيا وما فيهايا قوم إنّي غريب في دياركم * سلّمت روحي إليكم فاحكموا فيهالم أسلّم النفس للأسقام تتلفها * إلا لعلمي أنّ الوصل يحييهانفس المحبّ على الآلام صابرة * لعلّ مسقمها يوما يداويها-