هامش
- كما حكى الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه اللّه تعالى في العهود المحمدية قال : أخبرني سيدي عليّ الخوّاص : أن شخصا من العلماء استأذنه في الحج سنة من السنين ، فقال له : لا تسافر تمقت ، فقال :
كيف أمقت بالحجّ ؟ ثم خالف ، وسافر إلى مكة ، فحضر وقت الخطبة فنهض قائما ، وقال : يا أهل مكة ، جمعتكم باطلة ؛ فإن شرطها أن يسمعها أربعون من أهل الجمعة وما هنا إلا مسافرون ، وكانت الناس متفرّقين في ظلّ الكعبة من شدة الحرّ ، فوقع لذلك ضجّة عظيمة ، وأعادوا الخطبة ، وكان من جملة من كان حاضرا القطب ، والأوتاد ، والأبدال ومن شاء اللّه تعالى فرجع ممقوتا ، قال الشيخ : فأوّل ما رأيته حين دخل مصر وجدته ممقوتا كالجلد الذي لا روح فيه ، ثم قال لي : تقول لي : إن حججت تمقت ، ولولا حضوري هناك في هذه السنة بطلت جمعة أهل مكة في الموسم ، قال الشيخ : فعرفت تمكن المقت منه من القطب والأولياء الحاضرين هناك .
قال الشيخ عبد الوهاب : وقد رأيت أنا صاحب هذه الواقعة ، وقد نزع اللّه تعالى منه الاعتقاد من سائر العلماء والصالحين ، فلا تكاد تذكر له أحدا إلا جرّحه ، وكان مع ذلك يقرأ كل يوم ختمة ، وسمعت سيدي عليّا الخواص مرارا يقول : أنا خائف على هذا الرجل من الموت على غير حالة مرضيّة . قال :
ولو أن هذا المنكر كان عنده أدب لعلم أن للّه تعالى رجالا يسمعون كلام من بينهم وبينه مسيرة ثلاثين ألف سنة وراثة إبراهيمية .
قال الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه اللّه تعالى : وقد اعتاد المتفقّهة في كل زمان على التفتيش عن عيوب الناس الشرعية بحيث لا يؤوّلون ما يجدونه مخالفا لعلمهم ، وإن كان له ألف تأويل ، بل ينكرون بمقتضى علمهم ما يكون محتملا للخطأ ولو بوجه ضعيف ، وإن كان صوابه ظاهرا ؛ بل ربما بعضهم يجهل مذهب الآخر ، فينكر عليه ما خالف مذهبه ، كما حكى لي رجل حنفيّ المذهب : صلّى ركعتين في الجامع الأموي ، فوضع يديه تحت سرّته ، ثم لما فرغ من صلواته أقام عليه النكير رجل شافعيّ المذهب ، وقال له : ضع يديك على صدرك ، هذا الذي فعلته مكروه ، وأنت جاهل بأحكام الصلاة ، وهذه الأمور كلها طريقة المتفقهة في المذاهب إلا الفقهاء ، فإن المتفقّهة قاصرون ، ومرادهم أن يعرفوا بين الناس بلا فقه ، والعلم لأجل أغراض شيطانية يريدون إنفاذها وشهوات نفسانية يحاولون إيجادها ، فيضطرّ بهم الأمر إلى التفتيش عن عيوب الناس ، فكيف يؤوّلون شيئا مقصدهم التفتيش عليه ، ومتى ظفروا بوجه فاسد في حال فكأنما ظفروا بملك الدنيا ، ففي قلوبهم الفرح الشديد ، فمن المحال أن يقيلوا عثرة مؤمن أو يتغافلون عن زلّة مسلم ؛ لأنهم في زعمهم لا يرتقون ويرتفعون إلا بإنكار المناكر خصوصا على الكامل الخاشع ، والعابد الذاكر .
وأما الفقهاء أصحاب القدم الراسخ في العلوم على حسب المذاهب الأربعة فإن قلوبهم متجانبة عن الدنيا ، مقبلة على الآخرة ، وبسبب ذلك لا حسد عندهم ، ولا تكبّر ، ولا عداوة ، ولا حقد ، ولا رياء ، ولا سمعة يعلمون أحكام اللّه تعالى على وجه التحقيق أصولا وفروعا ، ومن شدة شفقتهم على عباد اللّه تعالى لا يكادون يجدون في الناس منكرا أصلا ، ومن كمال اشتغالهم بعيوب أنفسهم عن عيوب الناس لا يجدون في الغير مفسدة حتى يجدوا في أنفسهم مائة مفسدة يعدّونها على أنفسهم ، فلا يخفى عليهم دسائس النفوس ، فهم في صدد كمال نفوسهم ، وتطهيرها ، فهم في شغل شاغل عن إنكار المنكر على الغير ، وإذا رأوا منكرا لا ينظرون منه إلا الوجه الحسن في حق الغير احتياطا ، وورعا ، وعندهم أحكام -