ولا مريئة ، فإذا أدنوه من وجوههم سلخ جلدة وجوههم ، وشواها ، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها فذلك قوله تعالى :
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
قال المفسرون فلما نزلت هذه الآية قال المشركون إن إبلنا لتسمن على الضريع وكذبوا في ذلك ، فإن الإبل إنما ترعاه رطبا فإذا يبس لا تأكله فأنزل اللّه تعالى :
[ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 7 إلى 17 ]
لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ( 7 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 )
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 ) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 )
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 )
لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ
يعني إن هذا الطعام لا تقدر البهائم على أكله فكيف يقدر الإنسان على أكله ، فهو إذا لا يسمن ولا يغني من جوع .
فإن قلت قد ذكر اللّه تعالى في هذه الآية أنّه لا طعام لهم إلا من ضريع ، وذكر في موضع آخر أنه لا طعام لهم إلا من غسلين ، فكيف الجمع بينهما ؟ ! .
قلت إن النار دركات فعلى قدر الذنوب تقع العقوبات ، فمنهم من طعامه الزقوم لا غير ، ومنهم من طعامه الضريع ، ومنهم من طعامه الغسلين .
ثم وصف أهل الجنة فقال تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ
أي متنعّمة ذات بهجة وحسن ، ونعمة ، وكرامة
لِسَعْيِها راضِيَةٌ
أي لسعيها في الدنيا راضية في الآخرة حيث أعطيت الجنة بعملها .
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ
قيل هو من العلو الذي هو الشرف ، وقيل من العلو في المكان ، وذلك لأن الجنة درجات بعضها أعلى من بعض ، كل درجة كما بين السماء والأرض .
لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً
أي ليس فيها لغو ولا باطل .
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ
على وجه الأرض في غير أخدود ، وقيل تجري حيث أرادوا من منازلهم ، وقصورهم .
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ
قال ابن عباس : ألواحها من ذهب ، مكللة بالزبرجد ، والياقوت ، مرتفعة ما لم يجيء أهلها ، فإذا أراد أهلها الجلوس عليها تواضعت لهم حتى يجلسوا عليها ، ثم ترتفع إلى مواضعها
وَأَكْوابٌ
يعني الكيزان التي لا عرى لها .
مَوْضُوعَةٌ
يعني عندهم بين أيديهم ، وقيل موضوعة على حافات العين الجارية كلما أرادوا الشرب منها وجدوها مملوءة .
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ
يعني وسائد ومرافق مصفوفة ، بعضها جنب بعض أينما أراد أن يجلس وليّ اللّه جلس على واحدة ، واستند إلى الأخرى .
وَزَرابِيُّ
يعني البسط العريضة قال ابن عباس : هي الطنافس التي لها خمل ، واحدتها زربية
مَبْثُوثَةٌ
أي مبسوطة ، وقيل متفرقة في المجالس .
قوله عزّ وجلّ :
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
قال أهل التفسير لما نعت اللّه عزّ وجلّ ما في هذه السورة مما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه ، فذكرهم اللّه صنعه ، فقال : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإنما بدأ بالإبل لأنها من أنفس أموال العرب ، ولهم فيها منافع كثيرة والمعنى إن الذي صنع لهم هذا في الدنيا هو الذي صنع لأهل الجنة ما صنع ؛ وتكلمت علماء التفسير في وجه تخصيص الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات ، فقال : مقاتل لأن العرب لم يروا بهيمة قط أعظم منها ، ولم يشاهد الفيل إلا النادر منهم ، وقال الكلبي لأنها تنهض بحملها وقد كانت باركة ، وقال قتادة : لما ذكر اللّه تعالى ارتفاع سرر الجنة وفرشها قالوا كيف نصعدها فأنزل اللّه تعالى هذه الآية .
وسئل الحسن عن هذه الآية ، وقيل له الفيل أعظم في الأعجوبة فقال : أما الفيل فإن العرب بعيدة العهد به ، ثم هو لا خير فيه لأنه لا يركب على ظهره ، ولا يؤكل لحمه ، ولا يحلب دره ، والإبل أعزّ مال للعرب ، وأنفسه