وقيل الشفع درجات الجنة لأنها ثمان ، والوتر دركات النار لأنها سبع ، فكأنه أقسم بالجنة ، والنار . وقيل الشفع أوصاف المخلوقين المتضادة ، مثل العز ، والذل ، والقدرة ، والعجز ، والقوة ، والضعف ، والغنى ، والفقر ، والعلم ، والجهل ، والبصر ، والعمى ، والموت ، والحياة ، والوتر ، صفات اللّه تعالى التي تفرد بها عزّ بلا ذل ، وقدرة بلا عجز ، وقوة بلا ضعف ، وغنى بلا فقر ، وعلم بلا جهل ، وحياة بلا موت .
[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 4 إلى 8 ]
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ( 4 ) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ( 5 ) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 )
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
أي إذا سار وذهب ، وقيل إذا جاء ، وأقبل ، وأراد به كل ليلة ، وقيل هي ليلة المزدلفة ، وهي ليلة النحر التي يسار فيها من عرفات إلى مزدلفة فعلى هذا يكون المعنى والليل الذي يسار فيه .
هَلْ فِي ذلِكَ
أي فيما ذكرت
قَسَمٌ
مقنع ومكتفي في القسم فهو استفهام بمعنى التأكيد .
لِذِي حِجْرٍ
أي لذي عقل سمي بذلك لأنه يحجر صاحبه عما لا يحل له ، ولا ينبغي كما سمي عقلا لأنه يعقل صاحبه عن القبائح ، وسمي نهيه لأنه ينهى عما لا يحل ، ولا ينبغي وأصل الحجر المنع ، ولا يقال ذو حجر إلا لمن هو قاهر لنفسه ضابط لها عما لا يليق ، كأنه حجر على نفسه ومنعها ما تريد ، والمعنى إن من كان ذا لب ، وعقل علم أن ما أقسم اللّه عزّ وجلّ به من هذه الأشياء فيه عجائب ، ودلائل تدل على توحيده ، وربوبيته . فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه . قيل جواب القسم قوله تعالى
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
، واعترض بين القسم وجوابه قوله تعالى
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ
، وقيل جواب القسم محذوف وتقديره ورب هذه الأشياء ليعذبن الكافر يدل عليه قوله تعالى
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ
؟ إلى قوله
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ
، وقوله عزّ وجلّ
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
؟ أي ألم تعلم وإنما أطلق لفظ الرؤية على العلم لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت معلومة عندهم .
وقوله :
أَ لَمْ تَرَ
خطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولكنه عام لكل أحد .
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
المقصود من ذلك تخويف أهل مكة وكيف أهلكهم وهم كانوا أطول أعمارا ، وأشد قوة ، من هؤلاء فأما عاد فهو عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح ، ومنهم من يجعل عادا اسما للقبيلة لقوله تعالى :
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى
وإرم هو جد عاد على ما ذكر في نسبه عاد . وقيل إن المتقدمين من قوم عاد كانوا يسمون بإرم اسم جدهم .
وقيل إرم هم قبيلة من عاد ، وكان فيهم الملك ، وكانوا بمهرة اسم موضع باليمن وكان عاد أباهم فنسبوا إليه وهو إرم بن عاد بن شيم بن سام بن نوح ؛ وقال الكلبي : إرم هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود أهل السواد ، وأهل الجزيرة ، وكان يقال عاد إرم وثمود إرم فأهلك عاد وثمود ، وأبقى أهل السواد ، وأهل الجزيرة ؛ وقال سعيد بن المسيب : إرم ذات العماد دمشق وقيل الإسكندرية ، وفيه ضعف لأن منازل عاد كانت من عمان إلى حضرموت ، وهي بلاد الرمال والأحقاف . وقيل إن عادا كانوا أهل عمد وخيام وماشية سيارة في الربيع فإذا هاج العود ويبس رجعوا إلى منازلهم ، وكانوا أهل جنان وزروع ومنازلهم بوادي القرى ، وهي التي قال اللّه تعالى :
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
وسموا ذات العماد لأنهم كانوا أهل عمد سيارة ، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبي ، ورواية ابن عباس . وقيل سموا ذات العماد لطول قامتهم يعني طولهم ، مثل العماد في الشبه ، قال مقاتل : كان طول أحدهم اثني عشر ذراعا ، وقوله
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
يعني لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول ، والقوة ، وهم الذين قالوا « من أشد منا قوة » . وقيل سموا ذات العماد لبناء بناه بعضهم ، فشيد عمده ورفع بناءه ، وقيل كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا بعده ، وقهرا البلاد والعباد فمات شديد وخلص الملك لشداد فملك الدنيا ودانت له