تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل ) — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
صح من حديث عائشة رضي اللّه عنها . قال : « سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال يرحمه اللّه لقد أذكرني كذا وكذا ، آية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا » وفي رواية « كنت أسقطتهن من سورة كذا » أخرجاه في الصحيحين ، وقيل هذا الاستثناء لم يقع ، ولم يشأ اللّه أن ينسيه شيئا .
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ
يعني من القول والفعل .
وَما يَخْفى
يعني منهما والمعنى ، أنه تعالى يعلم السر والعلانية .
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى
أي نهون عليك أن تعمل خيرا ونسهله عليك حتى تعمله ، وقيل نوفقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة ، وقيل هو متصل بالكلام الأول ، والمعنى إنه يعلم الجهر مما تقرؤوه على جبريل إذا فرغ من التلاوة ، وما يخفى مما تقرؤه في نفسك مخافة النسيان ، ثم وعده فقال : ونيسرك لليسرى أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه ، ولا تنساه .
فَذَكِّرْ
أي فعظ بالقرآن .
إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى
أي مدة نفع الموعظة ، والتذكير ، والمعنى عظ أنت ، وذكر أن نفعت الذكرى ، أو لم تنفع ، إنما عليك البلاغ .
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى
أي سيتعظ من يخشى اللّه تعالى .
وَيَتَجَنَّبُهَا
أي الذكرى ويتباعد عنها .
الْأَشْقَى
أي في علم اللّه تعالى ،
الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى
أي النار العظيمة الفظيعة ، وقيل النار الكبرى هي نار الآخرة ، والنار الصغرى هي نار الدنيا
ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها
أي في النار فيستريح
وَلا يَحْيى
أي حياة طيبة تنفعه . قوله عزّ وجلّ :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
أي تطهّر من الشرك وقال لا إله إلا اللّه قاله ابن عباس : وقيل قد أفلح من كان عمله زاكيا ، وقيل هو صدقة الفطر ، روي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه في قوله :
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى
قال : أعطى صدقة الفطر .

[ سورة الأعلى ( 87 ) : الآيات 15 إلى 19 ]

وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ( 15 ) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 16 ) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 17 ) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 18 ) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ( 19 )
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
قال : خرج إلى العيد فصلّى وكان ابن مسعود يقول : رحم اللّه امرأ تصدق ثم صلّى . ثم يقرأ هذه الآية وقال نافع : كان ابن عمر إذا صلّى الغداة يعني يوم العيد قال : يا نافع أخرجت الصدقة ، فإن قلت نعم مضى إلى المصلى ، وإن قلت لا قال : فالآن فأخرج ، فإنما هذه الآية في هذا قد أفلح من تزكى ، وذكر اسم ربه فصلّى . فإن قلت فما وجه هذا التأويل ، وهذه السورة مكية ، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر . قلت يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم ، كما قال :
وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
وهذه السورة مكية ، وظهر أثر الحل يوم الفتح ، وكذا نزل بمكة
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
، وكان ذلك يوم بدر . قال عمر بن الخطاب : كنت لا أدري أي جمع سيهزم ، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يثب في الدرع ، ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر . ووجه آخر وهو أنه كان في علم اللّه تعالى أنه سيكون ذلك فأخبر عنه ، وقيل وذكر اسم ربه فصلّى يعني الصلوات الخمس ، وقيل أراد بالذكر تكبيرات العيد ، وبالصلاة صلاة العيد . قوله عزّ وجلّ :
بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
يعني أن الدنيا فانية والآخرة باقية ، والباقي خير من الفاني ، وأنتم تؤثرون الفاني على الباقي قال عرفجة الأشج : كنا عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية فقال لنا أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة . قلنا لا قال : لأن الدنيا حضرت ، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها ، وإن الآخرة تغيبت وزويت عنا فأحببنا العاجل ، وتركنا الآجل ، وقيل إن أريد بذلك الكفار ،