[ سورة هود ( 11 ) : آية 19 ]
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 19 )
قوله :
أَ فَمَنْ كانَ .
فيه وجهان :
أحدهما : أنه مبتدأ والخبر محذوف ، تقديره : أفمن كان على هذه الأشياء كغيره كذا قدره أبو البقاء . وأحسن منه :
أفمن كان كذا كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وحذف المعادل للذي دخلت عليه الهمزة كثير ، نحو :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
« 1 »
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ
« 2 » إلى غير ذلك ، وهذا الاستفهام بمعنى التقرير .
الثاني - وإليه نحا الزمخشري - : أن هذا معطوف على شيء محذوف قبله تقديره : أفمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها كمن كان على بينة ؟ ، أي : لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم ، يريد : أن بين الفريقين تفاوتا . والمراد : من آمن من اليهود كعبد اللّه بن سلام . وهذا على قاعدته من تقديره معطوفا بين همزة الاستفهام وحرف العطف ، وهو مبتدأ والخبر محذوف كما تقدم تقريره . قوله :
وَيَتْلُوهُ
اختلفوا في هذه الضمائر أعني في
« يَتْلُوهُ »
وفي
« مِنْهُ »
، وفي
قبله »
. وقيل : الهاء في
« يَتْلُوهُ »
تعود على « من » والمراد به النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وكذلك الضميران في
« مِنْهُ »
و
« قَبْلِهِ »
والمراد لسانه عليه السّلام والتقدير : ويتلو ذلك الذي على بينة أي : ويتلو محمدا أي : صدق محمد لسانه .
« وَمِنْ قَبْلِهِ »
للنبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقيل الشاهد الإنجيل ، و
« كِتابُ مُوسى »
عطف على
« شاهِدٌ »
، والمعنى : أن التوراة والإنجيل يتلوان محمدا في التصديق ، وقد فصل بين حرف العطف والمعطوف بقوله
« مِنْ قَبْلِهِ »
، والتقدير : شاهد معه وكتاب موسى من قبله ، وقد تقدم الكلام على الفصل بين حرف العطف والمعطوف مشبعا في النساء « 3 » .
وقيل : الضمير في
« يَتْلُوهُ »
للقرآن ، وفي
« مِنْهُ »
ل « محمد » عليه السّلام . وقيل : لجبريل ، والتقدير : ويتلو القرآن شاهد من محمد وهو لسانه أو من جبريل . والهاء في
« قَبْلِهِ »
أيضا للقرآن ، فالضمائر الثلاثة للقرآن ، وهذا كاف ، ووراء ذلك أقوال مضطربة غالبها يرجع إلى ما ذكرت ، وقرأ محمد بن السائب الكلبي « كتاب موسى » بالنصب وفيه وجهان :
أحدهما : - وهو الظاهر - أنه معطوف على الهاء في
« يَتْلُوهُ »
أي : يتلوه ويتلو كتاب
« مُوسى »
وفصل بالجار بين المعطوف والعاطف .
والثاني : أنه منصوب باضمار فعل . قال أبو البقاء : « وقيل تم الكلام عند قوله
« مِنْهُ »
، و
« كِتابُ مُوسى »
. أي : ويتلو كتاب موسى . « فقدر فعلا مثل الملفوظ به ، وكأنه لم ير الفصل بين العاطف والمعطوف فلذلك قدر فعلا . و
« إِماماً وَرَحْمَةً »
منصوبان على الحال من
« كِتابُ مُوسى »
سواء أقرىء رفعا أم نصبا . والهاء في
« بِهِ »
يجوز أن تعود على
« كِتابُ »
وهو أقرب مذكور ، وقيل : بالقرآن . وقيل : بمحمد ، وكذلك الهاء في
« بِهِ »
الثانية . و
« الْأَحْزابِ »
الجماعة التي فيها غلظ كأنهم لكثرتهم وصفوا بذلك ، ومنه وصف حمار الوحش ب « حزابية » لغلظه ، والأحزاب : جمع حزب ، وهو الجماعة من الناس . و « المرية » - بكسر الميم وضمها - : الشك لغتان أشهرهما الكسر ، وهي لغة أهل الحجاز ، وبها قرأ جماهير الناس ، والضم لغة أسد وتميم وبها قرأ السّلمي وأبو رجاء الخطاب السدوسي . و
« أُولئِكَ »
إشارة إلى « من كان
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، آية : ( 8 ) .
( 2 ) سورة الزمر ، آية : ( 9 ) .
( 3 ) آية : رقم ( 85 ) .