قوله :
ضِياءً .
إما مفعول ثان على أنّ الجعل للتصيير ، وإما حال على أنه بمعنى الإنشاء ، والجمهور على
« ضِياءً »
بتصريح الياء قبل الألف ، وأصلها واو ، لأنه من الضّوء ، وقرأ قنبل عن ابن كثير هنا وفي الأنبياء « ضئآء » والقصص ، بقلب الياء همزة فتصير الألف بين همزتين ، وأولت على أنه مقلوب قدمت لامه وأخرت عينه فوقعت الياء طرفا بعد ألف زائدة فقلبت همزة على حد « رداء » ، وإن شئت قلت : لمّا قلبت الكلمة صارت « ضئاوا » بالواو ، فعادت العين إلى أصلها من الواو ، لعدم موجب قلبها ياء ، وهو الكسر السابقها ، ثم أبدلت الواو همزة على حدّ « كساء » ، وقال أبو البقاء :
« إنها قلبت ألفا ثم قلبت الألف همزة ، لئلا تجتمع ألفان » . واستبعدت هذه القراءة من حيث إنّ اللغة مبنية على تسهيل الهمز ، فكيف يتخيلون في قلب الحرف الخفيف إلى أثقل منه . قلت : لا غرو في ذلك ، فقد قلبوا حروف العلة الألف والواو والياء همزة في مواضع لا تحصر إلّا بعشر ، إلّا أنه هنا ثقيل لاجتماع همزتين . قال أبو شامة : وهذه قراءة ضعيفة ، فإنّ قياس اللغة الفرار من اجتماع همزتين إلى تخفيف إحداهما ، فكيف يتخيّل بتقديم وتأخير يؤدي إلى اجتماع همزتين لم يكونا في الأصل ، هذا خلاف حكم اللغة ، وقال أبو بكر ابن مجاهد - وهو ممّن قرأ على قنبل - : قرأ ابن كثير وحده « ضئاء » بهمزتين في كل القرآن ، الهمزة الأولى قبل الألف ، والثانية بعدها ، كذلك قرأت على قنبل ، - وهو غلط - وكان أصحاب البزي وابن فليح ينكرون هذا ويقرأون
« ضِياءً »
مثل الناس . قلت : كثيرا ما يتجرأ أبو بكر على شيخه ويغلّطه ، وسيمر بك مواضع من ذلك وهذا لا ينبغي أن يكون ، فإنّ قنبلا بالمكان الذي يمنع أن يتكلم فيه . وقوله : في جانب الشمس
« ضِياءً »
، لأن الضوء أقوى من النور ، وقد تقدم ذلك في أول البقرة . و
« ضِياءً »
و
« نُوراً »
يحتمل أن يكونا مصدرين ، وجعلا لنفس الكوكبين مبالغة أو على حذف مضاف ، أي : ذات ضياء وذا نور ، و
« ضِياءً »
يحتمل أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط وحوض وحياض . و
« مَنازِلَ »
نصب على ظرف المكان ، وجعله الزمخشري على حذف مضاف إما من الأول ، أي : قدّر مسيره ، وإما من الثاني ، أي : قدّره ذا منازل ، فعلى التقدير الأول يكون ظرفا كما مر ، وعلى الثاني يكون مفعولا ثانيا على تضمين « قدّر » معنى : صيّره ذا منازل بالتقدير .
قال الشيخ بعد أن ذكر التقديرين - ولم يعزهما للزمخشري - : أو قدّر له منازل فحذف وأوصل الفعل إليه فانتصب بحسب هذه التقادير على الظرف أو الحال أو المفعول كقوله :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ .
وقد سبقه إلى ذلك أبو البقاء أيضا ، والضمير في
« قَدَّرْناهُ »
يعود على القمر وحده ، لأنه هو عمدة العرب في تواريخهم . قال ابن عطية : ويحتمل أن يريدهما معا بحسب أنهما يتصرفان في معرفة عدد السنين والحساب لكنه اجتزأ بذكر أحدهما كقوله تعالى :
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
« 1 » ، وكما قال :
2591 -
رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطّويّ رماني « 2 »
و
« لِتَعْلَمُوا »
متعلق ب
« قَدَّرَهُ »
، وسئل أبو عمرو عن
« الْحِسابَ »
أتنصبه أم تجره ؟ فقال : ومن يدري ما عدد الحساب ، يعني : أنه سئل هل تعطفه على
« عَدَدَ »
فتنصبه أم على
« السِّنِينَ »
فتجره ، كأنه قال : لا يمكن جره ، إذ يقتضى ذلك أن تعلم عدد الحساب ، ولا يقدر أحد أن يعلم عدده ، و
« ذلِكَ »
إشارة إلى ما تقدم أي : ما خلق اللّه ذلك المذكور إلا ملتبسا بالحق فيكون حالا ، إما من الفاعل ، وإما من المفعول ، وقيل : الباء بمعنى اللام أي : للحق ،
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، آية : ( 16 ) .
( 2 ) تقدم .