الظاهر فيهما : أنها شرطية ، ثم استشكلوا على ذلك أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - لم يكن في شك قط . قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف قال لرسوله :
« فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ »
مع قوله للكفرة وإنّهم لفى شكّ منه مريب « 1 » قلت : فرق عظيم بين إثباته الشك لهم على سبيل التوكيد والتحقيق ، وبين قوله :
« فَإِنْ كُنْتَ »
يعنى الفرض والتمثيل » .
قال الشيخ « 2 » : « وإذا كانت شرطية فقالوا : إنها تدخل على الممكن وجوده أو المحقق وجوده المبهم زمن وقوعه كقوله تعالى :
أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
« 3 » - قال - : والذي أقول : إنّ « إن » الشرطية تقتضي تعليق شيء على شيء ، ولا يستلزم تحتم وقوعه ولا إمكانه ، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلا كقوله تعالى :
إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
« 4 » ، ومستحيل أن يكون له ولد فكذلك يستحيل أن يكون في شك ، وفي المستحيل عادة كقوله تعالى :
فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ
« 5 » لكن وقوعها في تعليق المستحيل قليل » . - « ثم قال : « ولما خفي هذا الوجه على كثير من الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية ، فقال ابن عطية : « إنها مخاطبة له والمراد : من سواه من أمته ممن يمكن أن يشك أو يعارض . وقيل : كنى بالشك عن الضيق ، وقيل : كنى به عن العجب ، ووجه المجاز فيه أن كلا منهما فيه تردد » . وقال الكسائي : إن كنت في شك أن هذه عادتهم مع الأنبياء فسلهم كيف كان صبر موسى عليه السّلام .
والوجه الثاني - من وجهي « إن » - : أنها نافية . قال الزمخشري : أي فما كنت في شك فاسأل ، يعني : لا نأمرك بالسؤال لكونك شاكا ، ولكن لتزداد يقينا ، كما ازداد إبراهيم عليه السّلام - بمعاينة إحياء الموتى . « وهذا القول سبقه إليه الحسن البصري والحسين بن الفصل ، وكأنه فرار من الإشكال المتقدم في جعلها شرطية ، وقد تقدم جوابه من وجوه » . وقرأ يحيى وإبراهيم « يقرءون الكتب » بالجمع ، وهي مبينة أن المراد بالكتاب الجنس لا كتاب واحد .
قال :
فَلَوْ لا .
لولا : هنا تحضيضية ، وفيها معنى التوبيخ ، كقول الفرزدق :
2651 -
تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم * بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا « 6 »
وفي مصحف أبي وعبد اللّه وقرآ كذلك « فهلّا » ، وهي نصّ في التحضيض وكانت هنا تامة و
« آمَنَتْ »
صفة ل
« قَرْيَةٌ »
و
« فَنَفَعَها »
نسق على الصفة ، قوله :
إِلَّا قَوْمَ
فيه وجهان :
أحدهما : أنه استثناء منقطع ، وإليه ذهب سيبويه « 7 » والكسائي والأخفش والفراء ، ولذلك أدخله سيبويه في باب ما لا يكون فيه إلا النصب لانقطاعه ، وإنما كان منقطعا ، لأن ما بعد إلّا لا يندرج تحت لفظ
« قَرْيَةٌ »
.
والثاني : أنه متصل ، قال الزمخشري : استثناء من « القرى » ، لأن المراد أهاليها ، وهو استثناء منقطع بمعنى : ولكن قوم يونس ، ويجوز أن يكون متصلا والجملة في معنى النفي ، كأنه قيل : ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس .
هامش
( 1 ) سورة فصلت ، آية : ( 45 ) .
( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 191 ) .
( 3 ) الأنبياء ، آية : ( 34 ) .
( 4 ) سورة الزخرف ، آية : ( 81 ) .
( 5 ) سورة الأنعام ، آية : ( 35 ) .
( 6 ) تقدم .
( 7 ) انظر الكتاب ( 2 / 325 )