تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
« ما »
استفهاما ، و
« السِّحْرُ »
خبر مبتدأ محذوف . وقال مكي - في قراءة غير أبي عمرو بعد ذكره كون
« ما »
الذي - : « ويجوز أن تكون
« ما »
رفعا بالابتداء وهي استفهام ، و
« جِئْتُمْ بِهِ »
الخبر ، و
« السِّحْرُ »
خبر مبتدأ محذوف : أي هو السحر » ، ويجوز أن تكون
« ما »
في موضع نصب على إضمار فعل بعد
« ما »
تقديره : أي شيء جئتم به . و
« السِّحْرُ »
خبر ابتداء محذوف . الرابع : أن تكون هذه القراءة كقراءة أبي عمرو في المعنى ، أي : أنها على نية الاستفهام ، ولكن حذفت أداته للعلم بها . قال أبو البقاء : « ويقرأ بلفظ الخبر وفيه وجهان : أحدهما : أنه استفهام في المعنى أيضا ، وحذفت الهمزة للعلم بها . وعلى هذا الذي ذكره يكون الإعراب على ما تقدم . واعلم أنك إذا جعلت
« ما »
موصولة بمعنى : الذي امتنع نصبها بفعل مقدر على الاشتغال . قال مكي : « ولا يجوز أن تكون ما بمعنى الذي في موضع نصب ، لأن ما بعدها صلتها ، والصلة لا تعمل في الموصول ، ولا تكون تفسيرا للعامل في الموصول » . وهو كلام صحيح ، فتلخص من هذا أنها إذا كانت استفهامية جاز أن تكون في محل رفع أو نصب ، وإذا كانت موصولة تعين أن يكون محلها الرفع بالابتداء ، وقال مكي : وأجاز الفراء نصب
« السِّحْرُ »
بجعل
« ما »
شرطا ، وبنصب « السّحر » على المصدر ، ويضمر الفاء مع
« إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ »
، وتجعل الألف واللام في
« السِّحْرُ »
زائدتين ، وذلك كله بعيد ، وقد أجاز علي بن سليمان حذف الفاء من جواب الشرط في الكلام ، واستدل على جوازه بقوله تعالى :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ،
ولم يجزه غيره ، إلّا في ضرورة شعر . قلت : وإذا مشيا مع الفراء فيكون
« ما »
شرطا مرادا بها المصدر ، تقديره : أي سحر جئتم به فإنّ اللّه ، وبين أن
« ما »
يراد بها السحر قوله :
« السِّحْرُ »
ولكن تعلق قوله : أن نصب
« السِّحْرُ »
على المصدرية فيكون تأويله أنه منصوب على المصدر الواقع موقع الحال ولذلك قدره بالنكرة وجعل « أل » مزيدة فيه ، وقد نقل عن الفراء أن الألف واللام للتعريف ، وهو تعريف العهد ، قال الفراء : وإنما قال
« السِّحْرُ »
بالألف واللام ، لأن النكرة إذا أعيدت أعيدت بالألف واللام - يعني - أن النكرة قد تقدمت في قوله :
إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ »
« 1 » وبهذا شرحه ابن عطية . قال ابن عطية : والتعريف هنا في
« السِّحْرُ »
أرتب ، لأنه قد تقدم منكرا في قولهم :
إِنَّ هذا لَسِحْرٌ
فجاء هنا بلام العهد كما يقال أول الرسالة : سلام عليك . قال الشيخ « 2 » : وما ذكراه هنا في
« السِّحْرُ »
ليس من باب تقديم النكرة ، ثم أخبر عنها بعد ذلك ، لأن شرط هذا أن يكون المعرف بأل هو المنكر المتقدم ولا يكون غيره كقوله تعالى :
كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
« 3 » وتقول : « زارني رجل فأكرمت الرّجل » لما كان إياه جاز أن يأتي بضمير بدله ، فتقول : فأكرمته ، و
« السِّحْرُ »
هنا ليس هو
« السِّحْرُ »
الذي في قولهم :
« إِنَّ هذا لَسِحْرٌ »
، لأن الذي أخبروا عنه بأنه سحر هو ما ظهر على يدي موسى ، من معجزة العصا والسحر الذي في قول موسى إنما هو سحرهم الذي جاءوا به فقد اختلف المدلولان ، إذ قالوا هم عن معجزة موسى ، وقال موسى عما جاءوا ، ولذلك لا يجوز أن يؤتى هنا بالضمير بدل السحر فيكون عائدا على قولهم
« لَسِحْرٌ »
قلت : والجواب أن الفراء وابن عطية إنّما أرادا السحر المتقدم الذكر في اللفظ ، إن كان الثاني هو غير عين الأول في المعنى ، ولكن لما أطلق عليها لفظ
« السِّحْرُ »
جاز أن يقال ذلك ، ويدل على هذا
هامش
( 1 ) سورة يونس ، آية : ( 76 ) . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 183 ) . ( 3 ) سورة المزمل ، الآيتان : ( 15 - 16 ) .