[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 73 إلى 75 ]
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ( 73 ) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 ) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 75 )
وقوله :
فِي الْفُلْكِ .
يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلق ب « نجّيناه » أي : وقع الإنجاء في هذا المكان .
والثاني : أن يتعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف ، وهو
« مَعَهُ »
لوقوعه صلة ، أي : والذين استقروا معه في . وقوله :
وَجَعَلْناهُمْ
أي : صيرناهم وجمع الضمير في
« جَعَلْناهُمْ »
حملا على معنى « من » و
« خَلائِفَ »
جمع خليفة ، أي : يخلفون الغارقين .
قوله :
مِنْ بَعْدِهِ .
أي : بعد نوح و
« بِالْبَيِّناتِ »
متعلق ب « جاءوهم » أو بمحذوف على أنه حال ، أي : متلبسين بالبينات .
قوله :
لِيُؤْمِنُوا
أتى بلام الجحود توكيدا ، والضمير في
« كَذَّبُوا »
عائد على من عاد عليه الضمير في
« كانُوا »
وهم قوم الرسل . والمعنى : أن حالهم بعد بعثة الرسل كحالهم قبلها في كونهم أهل جاهلية . وقال أبو البقاء ومكي : إنّ الضمير في
« كانُوا »
يعود على قوم الرسل ، وفي
« كَذَّبُوا »
يعود على قوم نوح ، والمعنى : فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح ، أي : بمثله ، ويجوز أن تكون الهاء عائدة على نوح نفسه من غير حذف مضاف والتقدير : فما كان قوم الرسل بعد نوح ليؤمنوا بنوح ، إذ لو آمنوا به لآمنوا بأنبيائهم . و
« مِنْ قَبْلُ »
متعلق ب
« كَذَّبُوا »
أي : من قبل بعثة الرسل . وقيل : الضمائر كلها تعود على قوم الرسل بمعنى آخر ، وهو أنهم بارزوا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول لجّوا في الكفر وتمادوا عليه فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم من قبل لجهم في الكفر وتماديهم . قال ابن عطية : « ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو أن تكون « ما » مصدرية والمعنى : فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من اللّه إن لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل ، أي : من سببه ومن جزائه ، ويؤيد هذا التأويل
كَذلِكَ نَطْبَعُ » .
وهو كلام يحتاج لتأمل . قال الشيخ : « والظاهر أن « ما » موصولة ولذلك عاد الضمير عليها في قوله :
« بِما كَذَّبُوا »
ولو كانت مصدرية بقي الضمير غير عائد على غير مذكور فيحتاج أن يتكلف ما يعود عليه الضمير » . قلت : الشيخ بناه على « 1 » قول جمهور النحاة في عدم كون « ما » المصدرية اسما فيعود عليها ضمير ، وقد نبهتك غير مرة أن مذهب الأخفش وابن السراج : أنها اسم فيعود عليها الضمير . وقرأ العامة
« نَطْبَعُ »
بالنون الدالة على تعظيم المتكلم ، وقرأ العباس بن الفضل بياء الغيبة وهو اللّه - تعالى - ولذلك صرّح به في موضع آخر ،
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ *
والكاف : نعت لمصدر محذوف أو حال من ضمير ذلك المصدر على حسب ما عرفته من الخلاف . أي : مثل ذلك الطبع المحكم الممتنع
هامش
( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 181 ) .