تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
ويجوز أن يراد العموم وغلب العاقل على غيره . وقوله :
« وَما يَتَّبِعُ »
يجوز في
« ما »
هذه أن تكون نافية وهو الظاهر و
« شُرَكاءَ »
مفعول يتبع ومفعول
« يَدْعُونَ »
محذوف لفهم المعنى ، والتقدير : وما يتبع الذين يدعون من دون اللّه آلهة شركاء ، فآلهة مفعول
« يَدْعُونَ »
و
« شُرَكاءَ »
مفعول
« يَتَّبِعُ »
، وهو قول الزمخشري ، قال : ومعنى : ما يتبعون شركاء ، أي : وما يتبعون ( حقيقة الشركاء وإن كانوا يسمونها شركاء ، لأن شركة اللّه في الربوبية محال ) إن يتبعون إلا ظنهم أنها شركاء . ثم قال : ويجوز أن تكون
« ما »
استفهاما ، يعني : وأي شيء يتبعون ، و
« شُرَكاءَ »
على هذا نصب ب
« يَدْعُونَ »
وعلى الأول ب
« يَتَّبِعُ »
، وكان حقه وما يتبع الذين يدعون من دون اللّه شركاء شركاء ، فاقتصر على أحدهما للدلالة . وهذا الذي ذكره الزمخشري قد ردّه مكي بن أبي طالب وأبو البقاء ، أما مكي فقال : انتصب
« شركاء »
ب
« يَدْعُونَ »
ومفعول
« يَتَّبِعُ »
قام مقامه
« إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ »
لأنه هو ، ولا ينتصب الشركاء ب
« يَتَّبِعُ »
، لأنك تنفي عنهم ذلك واللّه قد أخبر به عنهم . وقال أبو البقاء : و
« شُرَكاءَ »
مفعول
« يَدْعُونَ »
، ولا يجوز أن يكون مفعول
« يَتَّبِعُونَ »
، لأن المعنى يصير أنهم لم يتبعوا شركاء ، وليس كذلك . قلت : معنى كلامهم أنه يؤول المعنى إلى نفي أتباعهم الشركاء والواقع أنهم قد اتبعوا الشركاء ، وجوابه ما تقدم من أن المعنى أنهم وإن اتبعوا شركاء فليسوا بشركاء في الحقيقة ، بل في تسميتهم هم لهم بذلك فكأنهم لم يتخذوا شركاء ولا اتبعوهم لسلب الصفة الحقيقة عنهم ومثله : « ما رأيت رجلا » أي : من يستحق أن يسمى رجلا ، وإن كنت قد رأيت الذكر من بني آدم ، ويجوز أن تكون
« ما »
استفهامية وتكون حينئذ منصوبة بما بعدها . وقد تقدم قول الزمخشري في ذلك . وقال مكي : ولو جعلت
« ما »
استفهاما بمعنى الإنكار والتوبيخ كانت اسما في موضع نصب ب
« يَتَّبِعُ »
. وقال أبو البقاء نحوه ، ويجوز أن تكون
« ما »
موصولة بمعنى الذي نسقا على
« مَنْ »
في قوله :
« أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ »
قال الزمخشري : ويجوز أن تكون
« ما »
موصولة معطوفة على
« مَنْ »
كأنه قيل : وللّه ما يتبعه الذين يدعون من دون اللّه شركاء ، أي : وله شركاؤهم . ويجوز أن تكون
« ما »
هذه الموصولة في محل رفع بالابتداء ، والخبر محذوف تقديره : والذي يتبعه المشركون باطل ، فهذه أربعة أوجه ، وقرأ السلمي « تدعون » بالخطاب ، وعزاها الزمخشري لعلي بن أبي طالب ، قال ابن عطية : « وهي قراءة غير متجهة » . قلت : قد ذكر توجيهها أبو القاسم فقال : ووجهه أن يحمل
« وَما يَتَّبِعُ »
على الاستفهام ، أي : وأي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين ، يعني : أنهم يتبعون اللّه تعالى ويطيعونه ، فماللكم لا تفعلون مثل فعلهم ؟ كقوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ .
« 1 » قوله :
إِنْ يَتَّبِعُونَ
إن : نافية ، و
« الظَّنَّ »
مفعول به ، فهو استثناء مفرغ ، ومفعول
« الظَّنَّ »
محذوف تقديره : إن يتبعون إلّا الظن أنهم شركاء . وعند الكوفيين تكون « أل » عوضا من الضمير تقديره : إن يتبعون إلا ظنهم أنهم شركاء ، والأحسن أن لا يقدر للظن معمول ، إذ المعنى : إن يتبعون إلّا الظن لا اليقين . وقوله :
« إِنَّ »
من قرأ
« يَدْعُونَ »
بياء الغيبة فقد جاء يتبعون مطابقا له ، ومن قرأ « تدعون » بالخطاب فيكون
« يَتَّبِعُونَ »
التفاتا ، إذ هو خروج من خطاب إلى غيبة . قوله :
جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ .
انظر إلى فصاحة هذه الآية حيث حذف من كل جملة ما ثبت في الأخرى ، وذلك أنه ذكر علة جعل الليل لباسا هي قوله :
« لِتَسْكُنُوا »
وحذفها من جعل النهار ، وذكر صفة النهار وهي قوله :
« مُبْصِراً »
وحذفها من
« اللَّيْلَ »
لدلالة
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، آية : ( 57 ) .