مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين كتبه اللّه وأثبت فيه صور تلك المعلومات . قلت : فقد آل الأمر إلى أنه جعله استثناء مفرغا ، وهو حال من
« أَصْغَرَ
، و
أَكْبَرَ
» وهو في قوة الاستثناء المتصل ولا يقال في هذا أنه متصل ولا منقطع ، إذ المفرغ لا يقال فيه ذلك . وقال الجرجاني : «
إِلَّا
بمعنى الواو » ، أي : وهو في كتاب مبين ، والعرب تضع موضع واو النسق كقوله :
إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
« 1 » -
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ .
« 2 » وهذا الذي قاله الجرجاني ضعيف جدا ، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في البقرة « 3 » ، وأنه شيء قال به الأخفش ، ولم يثبت ذلك بدليل صحيح . قال الشيخ أبو شامة : « ويزيل الإشكال أن يقدر قبل قوله
« إِلَّا فِي كِتابٍ »
ليس شيء من ذلك إلا في كتاب ، وكذا يقدر في آية الأنعام ، ولم يقرأ في سبأ إلا بالرفع ، وهو يقول قول من يقول إنه معطوف ، وسببه أن
« مِثْقالِ »
فيها بالرفع ، إذ ليس قبله حرف جر . وقد تقدم الكلام على نظير هذه المسألة والإشكال فيها في سورة الأنعام في قوله :
« وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ »
إلى قوله :
« إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ »
، وأن صاحب النظم الجرجاني هذا أحال الكلام فيها على الكلام في هذه السورة ، وأن أبا البقاء قال : « لو جعلناه كذا لفسد المعنى » . وقد بينت تقرير فساده والجواب عنه في كلام طويل هناك ، فعليك باعتباره ونقل ما يمكن نقله إلى هنا .
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 63 إلى 65 ]
الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 64 ) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 65 )
قوله :
الَّذِينَ آمَنُوا .
في محله أوجه :
أحدها : أنه مرفوع على خبر ابتداء مضمر ، أي : هم الذين آمنوا أو على أنه خبر ثان لإنّ ، أو على الابتداء والخبر الجملة من قوله :
لَهُمُ الْبُشْرى .
والثاني : على النعت على موضع
« أَوْلِياءَ »
، لأن موضعه رفع بالابتداء قبل دخول
« إِنَّ »
أو على البدل من الموضع أيضا ذكرهما مكي ، وهذان الوجهان على مذهب الكوفيين ، لأنهم يجرون التوابع كلها مجرى عطف النسق في اعتبار المحل وقيل : محله الجر بدلا من الهاء والميم في
« عَلَيْهِمْ »
وقيل : منصوب المحل نعتا ل
« أَوْلِياءَ »
أو بدلا من
« هُمْ »
على اللفظ أو على إضمار فعل لائق وهو أمدح فقد تحصل فيه تسعة أوجه : الرفع في خمسة والجر من وجه واحد والنصب من ثلاثة ، وإذا لم تجعل الجملة من قوله
« لَهُمُ الْبُشْرى »
خبرا ل
« الَّذِينَ »
جاز فيها الاستئناف ، وأن يكون خبرا ثانيا ل
« إِنَّ »
أو ثالثا . قوله :
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
يجوز فيه وجهان :
أظهرهما : أنه متعلق ب
الْبُشْرى
أي : البشرى تقع في الدنيا ، وفسرت بالرؤيا الصالحة .
والثاني : أنها حال من
« الْبُشْرى »
فتعلق بمحذوف والعامل في الحال الاستقرار في
« لَهُمُ »
لوقوعه خبرا .
وقوله :
لا تَبْدِيلَ
جملة مستأنفة . وقوله :
ذلِكَ
إشارة ل
الْبُشْرى
وإن كانت مؤنثة ، لأنها في معنى
هامش
( 1 ) سورة النساء ، آية : ( 148 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، آية : ( 150 ) .
( 3 ) انظر سورة البقرة ، آية : ( 150 ) .