قوله :
مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
في
« كانَ »
هذه أقوال :
أحدها : أنها زائدة ، وهو قول أبي عبيدة ، أي : كيف من في المهد ، و
« صَبِيًّا »
على هذا نصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع صلة . وقد ردّ أبو بكر هذا القول أعني كونها زائدة ، بأنها لو كانت زائدة لما نصبت الخبر ، وهذه قد نصبت
« صَبِيًّا »
. وهذا الردّ مردود بما ذكرته لك في نصبه على الحال لا الخبر .
الثاني : أنها تامة بمعنى : حدث ، ووجد ، والتقدير : كيف نكلم من وجد صبيا . و
« صَبِيًّا »
حال من الضمير في
« كانَ »
.
الثالث : أنها بمعنى صار ، أي : كيف نكلم من صار في المهد صبيا ، و
« صَبِيًّا »
على هذا خبرها ، فهو كقوله :
3267 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها « 1 »
الرابع : أنها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع كقوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً *
ولذلك يعبّر عنها بأنها ترادف لم يزل . وقال الزمخشري :
« كانَ »
لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم صالح للقريب والبعيد ، وهو ههنا لقريبه خاصة ، والدال عليه معنى الكلام ، وأنه مسوق للتعجب ، ووجه آخر : وهو أن يكون
« نُكَلِّمُ »
حكاية حال ماضيه ، أي : كيف عهد قبل عيسى أن يكلم من في المهد حتى نكلمه نحن . وأما
« مَنْ »
فالظاهر أنها موصولة بمعنى الذي ، ويضعف جعلها نكرة موصوفة ، أي : كيف نكلم شخصا أو مولودا . وجوّز الفراء والزجاج فيها أن تكون شرطية ، و
« كانَ »
بمعنى : يكن جوابها الشرط إمّا متقدم وهو
« كَيْفَ نُكَلِّمُ »
، أو محذوف لدلالة هذا عليه ، أي : من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه فهي على هذا مرفوعة المحل بالابتداء وعلى ما قبله منصوبته ب
« نُكَلِّمُ »
وإذا قيل : بأن
« كانَ »
زائدة هل تتحمل ضميرا أم لا ؟ فيه خلاف ، ومن جوّز استدل بقوله :
3268 -
فكيف إذا مررت بدار قوم * وجيران لنا كانوا كرام « 2 »
فرفع بها الواو ، ومن منع تأول البيت : بأنها غير زائدة ، وأن خبرها « لنا » قدّم عليها ، وفصل بالجملة بين الصفة والموصوف ، وأبو عمرو يدغم الدال في الصاد ، والأكثرون على أنه إخفاء .
قوله :
أَيْنَ ما كُنْتُ .
هذه شرطية ، وجوابها إما محذوف ، مدلول عليه بما تقدم ، أي : أينما كنت جعلني مباركا ، وإما متقدم عند من يرى ذلك ، ولا جائز أن تكون استفهامية ، لأنه يلزم أن يعمل فيها ما قبلها ، وأسماء الاستفهام لها صدر الكلام فتعين أن تكون شرطية ، لأنها منحصرة في هذين المعنيين . قوله :
ما دُمْتُ حَيًّا
ما مصدرية ظرفية ، وتقدمها على « دام » شرط في إعمالها ، والتقدير : مدة دوامي حيّا ونقل ابن عطية عن عاصم وجماعة أنهم قرأوا
« دُمْتُ »
بضم الدال ، وعن ابن كثير وأبي عمرو ، وأهل المدينة « دمت » بكسرها . وهذا لم نره لغيره ، وليس هو موجودا في كتب القراءات المتواترة والشاذة التي بين أيدينا ، فيجوز أن يكون أطلع عليه في مصنف غريب ، ولا شك أنّ في « دام » لغتين ، يقال
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) تقدم .