[ سورة مريم ( 19 ) : آية 28 ]
يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 )
قوله :
وَقَرِّي عَيْناً .
نصب على التمييز منقول من الفاعل ، إذ الأصل : لتقرّ عينك ، والعامة على فتح القاف من
« قَرِّي »
أمرا من قرّت عينه ، وتقرّ بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع ، وقرىء بكسر القاف . وهي لغة نجد يقولون : قرّت عينه تقرّ بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع والمشهور أنّ مكسور العين في الماضي للعين والمفتوحها في المكان يقال : قررت بالمكان أقرّ به ، وقد يقال قررت بالمكان بالكسر ، وسيأتي ذلك في قوله تعالى :
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ،
وفي وصف العين بذلك تأويلان :
أحدهما : أنه مأخوذ من القرّ وهو البرد ، وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها قارّا ، أي : باردا ، وإذا حزن كان حارّا ، ولذلك قالوا في الدعاء عليه : أسخن اللّه عينه » وما أحلى قول أبي تمام :
3260 -
فأمّا عيون العاشقين فأسخنت * وأمّا عيون الشّامتين فقرّت « 1 »
والثاني : أنه مأخوذ من الاستقرار ، والمعنى : أعطاه اللّه ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره . قوله :
فَإِمَّا تَرَيِنَّ
دخلت « إن » الشرطية على « ما » الزائدة للتوكيد فأدغمت فيها ، وكتبت متصلة ، و
« تَرَيِنَّ »
تصريفه ، والعامة على صريح الياء المكسورة ، وقرأ أبو عمرو في رواية « ترئنّ » بهمزة مكسورة بدل الياء ، وكذلك روي عنه « لترؤنّ » بإبدال الواو همزة . قال الزمخشري : هذا من لغة من يقول : لبّأت بالحج ، وحّلأت بالسّويق - يعني : وحلاءت بالهمز - وذلك لتآخ بين الهمز وحرف اللين » . وتجرأ ابن خالويه على أبي عمرو فقال : « هو لحن عند أكثر النحويين » . وقرأ أبو جعفر قارىء المدينة ، وشيبة وطلحة : « ترين » بياء ساكنة ونون خفيفة . قال ابن جني : « وهي شاذة » قلت : لأنه كان ينبغي أن يؤثر الجازم فيحذف نون الرفع ، كقول الأفوه :
3261 -
إمّا تري رأسي أزرى به * مأس زمان ذي انتكاس مئوس « 2 »
ولم يؤثر هنا شذوذا ، وهو نظير قول الآخر :
3262 -
لولا فوارس من نعم وأسرتهم * يوم الصّليقاء لم يوفون بالجار « 3 »
فلم يعمل ، وأبقى نون الرفع . و
« مِنَ الْبَشَرِ »
حال من
« أَحَداً »
، لأنه لو تأخر لكان وصفا وقال أبو البقاء : « أو مفعول » . يعني : أنه متعلق بنفس الفعل قبله . قوله :
« فَقُولِي »
بين هذا الجواب وشرطه جملة محذوفة ، تقديره :
فأما ترين البشر أحدا فسألك الكلام فقولي . وبهذا المقدّر تخلّص من إشكال وهو : أنّ قولها
« فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا »
كلام فيكون تناقضا ، لأنها قد كلمت إنسيّا بهذا الكلام ، وجوابه ما تقدم . وقيل : المراد بقوله :
« فَقُولِي »
إلى آخره
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه ، وهو من شواهد البحر المحيط ( 6 / 170 ) .
( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 6 / 185 ) ، القرطبي ( 11 / 97 ) ، روح المعاني ( 16 / 86 ) .
( 3 ) البيت في الخصائص ( 1 / 388 ) ، والمحتسب ( 2 / 42 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 7 / 8 ) ، المغني ( 2 / 339 ) ، التصريح ( 2 / 247 ) ، الهمع ( 2 / 56 ) ، الأشموني ( 4 / 6 ) ، الدرر ( 2 / 72 ) ، الخزانة ( 9 / 2 ) ، اللسان « صلف » .