تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
شيئين ، لأنّهما بمعنى شيء واحد عبر عنه بلفظين على سبيل التأكيد ، ولذلك أشير إليهما بإشارة الواحد . وقرأ ابن عامر « تجمعون » بالتاء خطابا وهو يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون من باب الالتفات فيكون في المعنى كقراءة الجماعة ، فإن الضمير يراد به من يراد بالضمير في قوله :
« فَلْيَفْرَحُوا »
. الثاني : أنه خطاب كقوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ ،
وهذه القراءة تناسب قراءة الخطاب في قوله :
« فَلْيَفْرَحُوا »
، وقد تقدم أن ابن عطية نقلها أيضا .

[ سورة يونس ( 10 ) : آية 59 ]

قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) قوله :
أَ رَأَيْتُمْ .
هذه بمعنى : أخبروني . وقوله :
« ما أَنْزَلَ »
يجوز أن تكون
« ما »
موصولة بمعنى الذي ، والعائد محذوف أي : ما أنزله ، وهي في محل نصب مفعولا أولا . والثاني : هو الجملة من قوله
« آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ »
والعائد من هذه الجملة على المفعول الأول محذوف تقديره : اللّه أذن لكم فيه ، واعترض على هذا بأن قول
« قُلْ »
يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولا ثانيا . وأجيب عنه : بأنه كرر توكيدا ، ويجوز أن تكون
« ما »
استفهامية منصوبة المحل ب
« أَنْزَلَ »
؛ وهي حينئذ معلقة ل
« أَ رَأَيْتُمْ »
وإلى هذا ذهب الحوفي والزمخشري ، ويجوز أن تكون
« ما »
الاستفهامية في محل رفع بالابتداء ، والجملة من قوله :
« آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ »
خبره ، والعائد محذوف كما تقدم ، أي : أذن لكم فيه ، وهذه الجملة الاستفهامية معلقة ل
« أَ رَأَيْتُمْ »
والظاهر من هذه الأوجه هو الوجه الأول ، لأن فيه إبقاء « أرأيت » على بابها من تعديها إلى اثنين ، وأنها مؤثرة في أولهما بخلاف جعل
« ما »
استفهامية فإنها معلقة ل « أرأيت » وسادة مسد المفعولين . وقوله :
« مِنْ رِزْقٍ »
يجوز أن يكون حالا من الموصول ، وأن يكون
« مِنْ »
لبيان الجنس ، و
« أَنْزَلَ »
على بابها ، وهو على حذف مضاف أي : أنزله من سبب رزق وهو المطر ، وقيل : تجوز بالإنزال عن الخلق كقوله :
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ،
« 1 »
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ .
« 2 » قوله :
« أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ »
في
« أَمْ »
هذه وجهان : أحدهما : أنها متصلة عاطفة تقديره : أخبروني اللّه أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه أم تكذبون على اللّه في نسبة ذلك إليه ؟ . والثاني : أن تكون منقطعة . قال الزمخشري : « ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار ، و
« أَمْ »
منقطعة بمعنى ، بل أتفترون على اللّه ، تقريرا للافتراء . والظاهر هو الأول ، إذ المعادلة بين هاتين الجملتين اللتين بمعنى المفردين واضحة ، إذ التقدير : أي الأمرين واقع إذن لكم في ذلك أم افتراؤكم عليه .
هامش
( 1 ) سورة الحديد ، آية : ( 25 ) . ( 2 ) سورة الزمر ، آية : ( 6 ) .