تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
قدم الجار للاختصاص ، أي : إليه لا إلى غيره يرجعون ، ولأجل الفواصل . وقرأ العامة :
« تُرْجَعُونَ »
بالخطاب وقرأ الحسن وعيسى بن عمر « يرجعون » بياء الغيبة .

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 57 إلى 58 ]

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 ) قوله :
مِنْ رَبِّكُمْ .
يجوز أن تكون
« مِنْ »
لابتداء الغاية فتتعلق حينئذ ب
« جاءَتْكُمْ »
وابتداء الغاية مجاز ، ويجوز أن تكون للتبعيض فتتعلق بمحذوف على أنها صفة ل
« مَوْعِظَةٌ »
أي : موعظة كائنة من مواعظ ربكم . وقوله :
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ
. .
وَهُدىً وَرَحْمَةٌ
من باب ما عطف فيه الصفات بعضها على بعض أي : قد جاءتكم موعظة جامعة لهذه الأشياء كلها ،
« وَشِفاءٌ »
في الأصل : مصدر جعل وصفا مبالغة ، أو هو اسم لما يشفى به أي : يداوى فهو كالدواء لما يداوى به ، و
« لِما فِي الصُّدُورِ »
يجوز أن يكون صفة ل
« شِفاءٌ »
فيتعلق بمحذوف ، وأن تكون اللام زائدة في المفعول ، لأن العامل فرع إذا قلنا بأنه مصدر . وقوله :
« لِلْمُؤْمِنِينَ »
محتمل لهذين الوجهين ، وهو من التنازع ، لأن كلّا من الهدى والرحمة يطلبه . قوله :
بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ .
في تعلق هذا الجار أوجه : أحدها : أن
« بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ »
متعلق بمحذوف تقديره : بفضل اللّه وبرحمته فليفرحوا بذلك ، فليفرحوا والتكرير للتأكيد ، فحذفت الفعل الأول لدلالة الثاني عليه فهما جملتان ، ويدل على ذلك قول الزمخشري : « أصل الكلام : بفضل اللّه وبرحمته فليفرحوا ، فبذلك فليفرحوا والتكرير للتأكيد والتقرير ، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا ، فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه ، والفاء داخلة لمعنى الشرط ، كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح ، فإنه لا مفرح به أحق منهما . الثاني : أن الجار الأول متعلق أيضا بمحذوف دل عليه السياق ، والمعنى لا نفس الفعل الملفوظ به والتقدير : بفضل اللّه وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا قاله الزمخشري . الثالث : أن يتعلق الجار الأول ب
« جاءَتْكُمْ »
قال الزمخشري : « ويجوز أن يراد : قد جاءتكم موعظة بفضل اللّه وبرحمته ، فبذلك : فبمجيئها فليفرحوا . قال الشيخ « 1 » : « أما على إضمار فليعتنوا فلا دليل عليه » . قلت : الدلالة عليه من السياق واضحة ، وليس شرط الدلالة أن تكون لفظية . قال الشيخ « 2 » : وأما تعلقه بقوله : « قد جاءتكم فينبغي أن يقدر محذوفا بعد
« قُلْ »
ولا يكون متعلقا ب
« جاءَتْكُمْ »
الأولى ، للفصل بينهما ب
« قُلْ »
قلت : هذا إيراد واضح ، ويجوز أن يكون
« بِفَضْلِ اللَّهِ »
صفة
هامش
( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 171 ) . ( 2 ) أنظر المصدر السابق .