تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
مفعولا به كما تقول : زيدا أقطع النّاس سيفا ، وزيدا أقطع للهام سيفا . « قلت : الذي أحوج الزمخشري إلى عدم جعله تمييزا مع ظهوره في بادىء الرّأي » عدم صحة معناه ، وذلك أنّ التمييز شرطه في هذا الباب أن يصبح نسبه ذلك الوصف الذي قبله إليه ، ويتصف به ، ألا ترى إلى مثاله في قوله : « زيدا أقطع النّاس سيفا » كيف يصح أن يسند إليه ، فيقال : « زيد قطع سيفه ، وسيفه قاطع » إلى غير ذلك ، وهنا ليس الإحصاء من صفة « الأمد » ولا يصح نسبته إليه ، وإنما هو من صفات الحزبين ، وهو دقيق ، وكان الشيخ نقل عن أبي البقاء نصبه على التمييز ، وأبو البقاء لم يذكر نصبه على التمييز حال جعله
« أَحْصى »
أفعل تفضيل ، وإنما ذكر ذلك حين ذكر أنه فعل ماض قال أبو البقاء : في
« أَحْصى »
وجهان : أحدهما : هو فعل ماض ، و
« أَمَداً »
مفعول
« لَبِثُوا »
. وهو خطأ ، وإنما الوجه أن يكون تمييزا ، والتقدير : لما لبثوه . والوجه الثاني : هو اسم ، و
« أَمَداً »
منصوب بفعل دلّ عليه الاسم . فهذا تصريح بأن
« أَمَداً »
حال جعله
« أَحْصى »
اسما ليس تمييزا ، بل مفعولا به بفعل مقدّر ، وأنه جعله تمييزا عن
« لَبِثُوا »
. ثم قال الشيخ « 1 » : « وأما قوله : وأما أن ينصب ب
« لَبِثُوا »
فلا يسد عليه المعنى ، أي : لا يكون معناه سديدا ، وقد ذهب الطبري إلى أنه منصوب ب
« لَبِثُوا »
. قال ابن عطية : وهو غير متّجه انتهى . وقد يتجه ، وذلك أنّ الأمد هو الغاية ، ويكون عبارة عن المدّة ، من حيث إنّ المدة غاية في أمد المدة على الحقيقة ، و « ما » بمعنى الذي ، و
« أَمَداً »
منصوب على إسقاط الحرف ، وتقديره : لما لبثوا من أمد ، أي : من مدة ، ويصير « من أمد » تفسيرا لما أبهم من لفظ « ما » ، كقوله
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
-
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ ،
ولمّا سقط الحرف ، وصل إليه الفعل . قلت : يكفيه أن مثل ابن عطية جعله غير متجه ، وعلى تقدير ذلك ، فلا نسلم أنّ الطبري عنى نصبه ب
« لَبِثُوا »
، مفعولا به ، بل يجوز أن يكون عنى نصبه تمييزا ، كما قاله أبو البقاء ، ثم قال « 2 » : وأما قوله : فإن زعمت إلى آخره ، فتقول : لا نحتاج إلى ذلك ، لأن لقائل ذلك أن يذهب مذهب الكوفيين ، في أنه ينصب القوانس بنفس « اضرب » ، ولذلك جعل بعض النحاة أنّ « أعلم » ناصب ل
« مَنْ »
في قوله :
أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ
« 3 » ، وذلك لأنّ أفعل مضمرة لمعنى المصدر ، إذ التقدير : يريد ضربنا القوانس على ضرب غيرنا » . قلت : هذا مرجوح ، وأفعل التفضيل ضعيف ، وإذا جعلنا
« أَحْصى »
اسما فجوّز الشيخ في
« أَيُّ »
أن تكون الموصولة ، و
« أَحْصى »
خبر لمبتدأ محذوف ، هو عائدها ، وأنّ الضمة للبناء على مذهب سيبويه « 4 » ، لوجود شرط البناء ، وهو إضافتها لفظا ، وحذف صدر صلتها . وهذا إنما يكون على جعل العلم ، بمعنى العرفان ، لأنه ليس في الكلام إلّا مفعول واحد ، وتقدير آخر لا حاجة إليه ، إلّا أنّ اسناد « علم » بمعنى عرف إلى اللّه تعالى إشكالا ، تقدم تحريره في الأنفال وغيرها . وإذا جعلناه فعلا امتنع أن تكون موصولة ، إذ لا حاجة لبنائها حينئذ وهو حسن . قوله :
. . . آمَنُوا بِرَبِّهِمْ . . . .
فيه التفات من المتكلم إلى الغيبة ، إذ لو جاء على نسق الكلام ، لقيل : إنهم فتية آمنوا بنا .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 105 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) سورة الأنعام آية ، ( 117 ) . ( 4 ) انظر الكتاب ( 2 / 398 ) .