تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
الرابع : أنه حال ثانية ، والجملة المنفية قبله حال أيضا . وتعدد الحال لذي حال واحد جائز ، والتقدير : أنزله غير جاعل له عوجا قيّما . الخامس : أنه حال أيضا ، ولكنه بدل من الجملة قبله ، لأنها حال ، وإبدال المفرد من الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز ، وهذا كما أبدلت الجملة من المفرد في قولهم : « عرفت زيدا أبو من هو » . والضمير في
« لَهُ »
فيه وجهان : أحدهما : أنه للكتاب ، وعليه التخاريج المتقدمة . والثاني : أنه يعود على
« عَبْدِهِ »
، وليس بواضح . وقرأ العامة بتشديد الياء ، وأبّان بن ثعلب بفتحها خفيفة ، قد تقدم القول فيهما ، ووقف حفص على تنوين
« عِوَجاً »
مبدلة ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأنّ
« قَيِّماً »
ليس متصلا ب
« عِوَجاً »
، وإنما هو من صفة
« الْكِتابَ »
وغيره ولم يعبأ بهذا الوهم ، فلم يسكت اتكالا على فهم المعنى . قلت : قد يتأيد ما فعله حفص بما في بعض مصاحف الصحابة : « ولم يجعل له عوجا لكن جعله قيّما » . وبعض القراء يطلق فيقول : يقف على
« عِوَجاً »
، ولم يقولوا : ببدل التنوين ألفا ، فيحتمل ذلك . وهو أقرب لغرضه فيما ذكرت ، ورأيت الشيخ شهاب الدين أبا شامة قد نقل عن ابن غلبون ، وأبي علي الأهوازي ، أعني الاطلاق . ثم قال : « وفي ذلك نظر ، أي : إبدال التنوين ألفا ، فإنه لو وقف على التنوين ، لكان أدلّ على غرضه ، وهو : أنه واقف بنية الوصل ، انتهى . وقال الأهوازي : ليس هو وقفا مختارا ، لأنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، معناه : أنزل على عبده الكتاب قيما ، ولم يجعل له عوجا » . قلت : دعوى التقديم والتأخير ، وإن كان قال بها غيره ، إلّا أنها مردودة بأنها على خلاف الأصل ، وقد تقدم تحقيقه . وفعل حفص في مواضع من القرآن مثل فعله هنا من سكتة لطيفة نافية لفهم مخل ، فمنها : أنه كان يقف على
مَرْقَدِنا
ويبتدئ :
هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ
« 1 » قال : لئلا يتوهم أن
« هذا »
صفة ل
« مَرْقَدِنا »
، فالوقف يبين أن كلام الكفار انقضى ، ثمّ ابتدىء بكلام غيرهم ، قيل : هم الملائكة ، وقيل : المؤمنون ، وسيأتي في يس ما يقتضي أن يكون هذا صفة ل
« مَرْقَدِنا »
فيفوت ذلك ، ومنها :
« قِيلَ مَنْ راقٍ »
كان يقف على نون
« مَنْ »
ويبتدئ
« راقٍ »
، قال لئلا يتوهم أنها كلمة واحدة على « فعال » ، اسم فاعل للمبالغة من : مرق يمرق فهو مراق ، ومنها :
بَلْ رانَ ،
كان يقف على لام بل ، ويبتدئ
« رانَ »
لما تقدم . قال المهدوي : « وكان يلزم حفصا مثل ذلك فيما شاكل هذه المواضع ، وهو لا يفعله ، فلم يكن لقراءته وجه من الاحتجاج ، إلا اتباع الأثر في الرواية » . قال أبو شامة : « أولى من هذه المواضع بمراعاة الوقف عليه :
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً .
فينبغي الوقف على
« قَوْلُهُمْ »
لئلا يتوهم أن ما بعده هو المقول ، وكذا
أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ،
ينبغي أن يعتني بالوقف على
« النَّارِ »
لئلا يتوهم الصفة . قلت : وتوهّم هذه الأشياء من البعد البعيد . وقال أبو شامة أيضا : ولو لزم الوقف على « اللام » و « النون » ليظهر للزم ذلك في كل مدغم » . قلت : يعني في
بَلْ رانَ
وفي
مَنْ راقٍ .
قوله :
لِيُنْذِرَ
في هذه اللام وجهان : أحدهما : أنها متعلقة ب
« قَيِّماً »
قاله الحوفي . والثاني - : وهو الظاهر - : أنها تتعلق ب
« أَنْزَلَ »
، وفاعل
« لِيُنْذِرَ »
يجوز أن يكون
« الْكِتابَ »
، وأن
هامش
( 1 ) سورة يس آية ، ( 52 ) .