الرابع : أنه منصوب بقول مضمر ، إذ التقدير : فقلنا له سل بني إسرائيل حين جاءهم ، وقد ذكر هذه الأوجه الزمخشري مرتبة على مقدمة ذكرها قبل ذلك فلنذكرها . قال :
« فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ »
أي : فقلنا له : سل بني إسرائيل ، أي : سلهم عن فرعون ، وقل له : أرسل معي بني إسرائيل ، أو سلهم في إيمانهم وحال دينهم ، أو سلهم أن يعاضدوك ، ويدلّ عليه قراءة رسول اللّه
« فَسْئَلْ »
على لفظ الماضي بغير همز ، وهي لغة قريش ، وقيل : « فسل » يا رسول اللّه المؤمن من بني إسرائيل كعبد اللّه ابن سلام ، وأصحابه عن الآيات ليزداد يقينا وطمأنينة ، كقوله :
وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي .
ثم قال : فإن قلت : بم تعلّق
« إِذْ جاءَهُمْ »
؟ قلت : أما على الوجه الأول فبالقول المحذوف ، أي : فقلنا له سلهم حين جاءهم أو ب « يسأل » في القراءة الثانية ، وأما على الآخر فبآياتنا ، أو بإضمار اذكر أو ب « يخبرونك » . ومعنى :
إِذْ جاءَهُمْ
« إذ جاء آبائهم . انتهى » .
قال الشيخ « 1 » : « ولا يتأتى تعلقه ب « اذكر » ولا ب « يخبرونك » لأنه ظرف ماض . « قلت : إذا جعله معمولا ل « اذكر » أو ب « يخبرونك » لم يجعله ظرفا ، بل مفعولا به ، كما تقرّر ذلك غير مرّة .
الخامس : أنه مفعول به ، والعامل فيه :
« فَسْئَلْ »
. قال أبو البقاء : « فيه وجهان :
أحدهما : هو مفعول به ب « اسأل » على المعنى ، لأن المعنى : اذكر لبني إسرائيل ، وقيل : التقدير : اذكر إذ جاءهم ، وهي غير اذكر الذي قدرت به « اسأل » ، يعني : أن اذكر المقدّرة غير اذكر الذي فسرت « اسأل » بها » .
وهذا يؤيد ما ذكرته لك من أنهم إذا قدّروا اذكر جعلوا
« إِذْ »
مفعولا به لا ظرفا ، إلّا أنّ أبا البقاء ذكر حال كونه ظرفا ما يقتضي أن يعمل فيه فعل مستقبل ، فقال :
والثاني : أن يكون ظرفا ، وفي العامل ما فيه أوجه :
أحدها :
« آتَيْنا »
.
والثاني : قلنا مضمرة .
والثالث : قل . تقديره : قل لخصمك سل ، والمراد به فرعون ، أي : قل يا موسى ، وكان الوجه أن يقال : إذ جئتم ، بالفتح فرجع من الخطاب إلى الغيبة . « قلت : فظاهر الوجه الثالث أن العامل فيه « قل » وهو ظرف ماض على أن هذا المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء ، إذ يرجع إلى : يا موسى ، قل لفرعون سل بني إسرائيل ، فيعود فرعون هو السائل لبني إسرائيل ، وليس المراد ذلك قطعا . وعلى التقدير الذي قدّمته عن الزمخشري ، وهو أنّ المعنى : يا موسى سل بني إسرائيل ( أي : اطلبهم من فرعون ، فيكون المفعول الأول للسؤال محذوفا ، والثاني هو بني إسرائيل .
والتقدير : سأل فرعون بني إسرائيل ) . وعلى هذا فيجوز أن تكون المسألة من التنازع وأعمل الثاني ، إذ التقدير : سل فرعون فقال فرعون ، فأعمل الثاني ، فرفع به الفاعل ، وحذف المفعول من الأول ، وهو المختار من المذهبين .
والظاهر غير هذا كله ، وأن المأمور بالسؤال هو سيدنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وبنو إسرائيل كانوا معاصريه . والضمير في
« إِذْ جاءَهُمْ »
إما للآباء وإما لهم ، على حذف مضاف ، أي : جاء آباءهم . قوله :
مَسْحُوراً
فيه وجهان :
أظهرهما : أنه بمعناه الأصلي ، أي : أنك سحرت ، فمن ثمّ اختلّ كلامك ، قال ذلك حيث جاء بما لا تهوى نفسه الخبيثة .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 85 ) .