والتقدير في الآية : أكان إيحاؤنا إلى رجل منهم عجبا لهم . « ومنهم » صفة ل
« رَجُلٍ »
وقرأ رؤبة « رجل » بسكون الجيم ، وهي لغة تميم يسكنون « فعلا » نحو : سبع ، وعضد ، وقرأ عبد اللّه بن مسعود « عجب » وفيها تخريجان :
أظهرهما : أنّها التامة ، أحدث للناس عجب ، و
« أَنْ أَوْحَيْنا »
متعلق ب « عجب » على حذف لام العلة ، أي :
عجب لأن أوحينا ، أو يكون على حذف « من » أي : من أن أوحينا .
والثاني : أن تكون الناقصة وتكون قد جعل اسمها النكرة وخبرها المعرفة على حد قوله :
2578 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * يكون مزاجها عسل وماء « 1 »
وقال الزمخشري : « والأجود أن تكون التامة ، و
« أَنْ أَوْحَيْنا »
بدل من « عجب » يعني أنه بدل اشتمال ، أو كل من كل ، لأنه جعل هذا نفس العجب مبالغة . والتخريج الثاني لابن عطية قوله :
« أَنْ أَنْذِرِ »
، يجوز أن تكون المصدرية ، وأن تكون التفسيرية ، ثم لك في المصدرية اعتباران :
أحدهما : أن تجعلها المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف كذا قال الشيخ « 2 » وفيه نظر من حيث إن أخبار هذه الأحرف لا تكون جملة طلبية ، حتى لو ورد ما يوهم ذلك يؤول على إضمار القول كقوله :
2579 -
ولو أصابت لقالت وهي صادقة * إنّ الرّياضة لا تنصبك للشّيب « 3 »
وقول الآخر :
2580 -
إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم * لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما « 4 »
وأيضا فإنّ الخبر في هذا الباب إذا وقع جملة فعلية فلا بد من الفصل بأشياء ذكرتها في المائدة « 5 » ، ولكن ذلك الفاصل هنا متعذر .
والثاني : أنها التي بصدد أن تنصب الفعل المضارع ، وهي توصل بالفعل المتصرف مطلقا نحو : « كتبت إليه بأن قم » وقد تقدم لنا في ذلك بحث أيضا « 6 » . ولم يذكر المنذر به ، وقد ذكر المبشر به كما سيأتي ؛ لأن المقام يقتضي ذلك . قوله :
« أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ »
أنّ وما في حيزها هي المبشر بها أي : بشرهم باستقرار قدم صدق ، فحذفت الباء فجرى في محلها المذهبان ، والمراد به
« قَدَمَ صِدْقٍ »
السابقة والفضل والمنزلة الرفيعة ، وإليه ذهب الزجاج والزمخشري ، ومنه قول ذي الرمة :
2581 -
لكم قدم لا ينكر النّاس أنها * مع الحسب العاديّ طمّت على البحر « 7 »
لما كان السعي والسبق بالقدم سمى السعي المحمود قدما ، كما سميت اليد نعمة ، لما كانت صادرة عنها ، وأضيف إلى الصدق دلالة على فضله ، وهو من باب « رجل صدق » ، و « رجل سوء » . وقيل : هو سابقة الخير التي
هامش
( 1 ) البيت في ديوان ( 63 ) ، الصمع ( 1 / 84 ) ، الشذور ( 146 ) ، الدرر ( 1 / 59 ) ، التهذيب واللسان « حكم » .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 129 ) .
( 4 ) البيت للجميع الأسدي أنظر الخزانة ( 10 / 246 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 332 ) ، شرح المفضليات ( 1 / 464 ) .
( 5 ) تقدم .
( 6 ) آية ، رقم ( 71 ) ،
( 7 ) أنظر آية ، رقم ( 66 ) من سورة النساء .
( 8 ) البيت في ديوانه ( 361 ) ، البحر المحيط 5 / 123 ) ، القرطبي ( 8 / 306 ) ، روح المعاني ( 11 / 63 ) .