وقرأ زيد بن علي « ولا تقفوا » بإثبات الواو . وقد تقدم أن إثبات حرف العلة جزما لغة قوم وضرورة عند غيرهم ، كقوله :
3095 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * من هجو زبّان لم تهجو ولم تدع « 1 »
وقرأ معاذ القارئ « ولا تقف » ، بزنة ثقل ، من قاف يقوف ، أي : تتبّع أيضا ، وفيه قولان :
أحدهما : أنه مقلوب من قفا يقفو .
والثاني - وهو الأظهر - أنه لغة مستقلة ك « جبذ ، وجذب » لكثرة الاستعمالين ، ومثله : قاع الفحل النّاقة وقعاها . قوله :
« وَالْفُؤادَ »
قرأ الجراح العقيلي بفتح الفاء وواو خالصة ، وتوجيهها أنه أبدل الهمزة واوا بعد الضمة في القراءة المشهورة ، ثم فتح فاء الكلمة ، بعد البدل ، لأنها لغة في
« الْفُؤادَ »
، يقال : فواد ، وفاد . وأنكرها أبو حاتم القراءة ، وهو معذور . والباء في
« بِهِ »
متعلقة بما تعلق به
« لَكَ »
ولا يتعلق ب
« عِلْمٌ »
، لأنه مصدر ، إلّا عند من يتوسع في الجار . قوله :
أُولئِكَ
إشارة إلى ما تقدم من
« السَّمْعَ ، وَالْبَصَرَ ، وَالْفُؤادَ »
، كقوله :
3096 -
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى * والعيش بعد أولئك الأيّام « 2 »
ف
« أُولئِكَ »
يشار به إلى العقلاء وغيرهم من الجموع ، واعتذر ابن عطية عن الإشارة به لغير العقلاء ، وقال :
« عبّر عن
السَّمْعَ ، وَالْبَصَرَ ، وَالْفُؤادَ »
، ب
« أُولئِكَ »
، لأنها حواس ، لها إدراك ، وجعلها في هذه الآية مسؤولة ، فهي حالة من يعقل ولذلك عبّر عنها بكناية من يعقل ، وقد قال سيبويه « 3 » : في قوله :
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
« 4 » إنّما قال : رأيتهم في النجوم ، لأنه لما وصفها بالسجود ، وهو فعل من يعقل ، عبّر عنها بكناية من يعقل ، وحكى الزجاج :
أنّ العرب تعبّر عن من يعقل وعن من لا يعقل ب
« أُولئِكَ »
، وأنشد هو والطبري قول الشاعر :
3097 -
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى * والعيش بعد أولئك الأيّام « 5 »
وأما حكاية أبي إسحق عن اللغة ، فأمر يتوقف عنده ، وأما البيت فالرواية فيه : الأقوام ، ولا حاجة إلى هذا الاعتذار ، لما عرفت ، وأما قوله : إنّ الرواية : الأقوام . فغير معروفة ، والمعروف إنما هو : الأيّام . قوله :
« كُلُّ أُولئِكَ »
مبتدأ ، والجملة من
« كانَ »
خبره ، وفي اسم كان وجهان ،
أحدهما : أنه ضمير عائد على
« كُلُّ »
باعتبار لفظها ، وكذا الضمير في
« عَنْهُ »
. و
« عَنْهُ »
متعلق ب
« مَسْؤُلًا »
، و
« مَسْؤُلًا »
خبرها .
والثاني : أن اسمها ضمير يعود على القافي ، وفي
« عَنْهُ »
يعود على
« كُلُّ »
وهو من الالتفات ، إذ لو جرى على ما تقدم ، لقيل : كنت عنه مسؤولا . وقال الزمخشري : « و
« عَنْهُ »
في موضع الرفع بالفاعلية ، أي : كل واحد كان مسؤولا عنه ، ف « مسؤول » مسند إلى الجار والمجرور ، كالمغضوب في قوله
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
انتهى . وفي تسميته مفعول ما لم يسم فاعله فاعلا خلاف الاصطلاح ، وقد ردّ « 6 » الشيخ عليه قوله : « بأن القائم مقام الفاعل حكمه
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) البيت لجرير من قصيدة يهجو فيها الفرزدق انظر ديوانه ( ) ، وروايته فيه « الأقوام » بدل الأيام وانظر المقتضب ( 1 / 185 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 126 ) ، أوضح المسالك ( 1 / 66 ) ، الأشموني ( 1 / 139 ) ، التصريح ( 1 / 128 ) ، وانظر بقية التخريج في البحر .
( 3 ) انظر الكتاب ( 2 / 47 ) .
( 4 ) سورة يوسف آية ، ( 7 ) .
( 5 ) تقدم .
( 6 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 37 ) .