وكذلك : « أمرته فأساء إليّ » ليس المعنى : أمرته بالإساءة ، بل أمرته بالإحسان ، وقوله : ولا يلزم هذا قولهم :
« أمرته فعصاني » ، نقول : بل يلزم ، وقوله : لأن ذلك مناف ، أي : لأن العصيان مناف ، وهو كلام صحيح .
وقوله : فكأن المأمور به غير مدلول عليه ولا منوي ، لا نسلم ، بل مدلول عليه ومنوي ، لا دلالة الموافق ، بل دلالة المناقض ، كما بيناه وقوله : لا ينوي مأمورا به ، لا نسلم . وقوله : لأن فسقوا يدافعه إلى آخره . قلت : نعم نوى شيئا ، ويظهر خلافه ، لأنّ نقيضه يدل عليه . وقوله : نظير أمر شاء ، ليس نظيره ، لأن مفعول « أمر » كثر التصريح به ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
« 1 » -
أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
« 2 » -
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
« 3 » -
أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ
« 4 » -
أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا
« 5 » وقال الشاعر :
3071 -
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 6 »
قلت : والشيخ « 7 » ردّ عليه ردّا مستريحا من النظر ، ولولا خوف السأمة على الناظر ، لكان النظر في كل منهما مجال .
والوجه الثاني : أن
« أَمَرْنا »
بمعنى كثّرنا ، ولم يرض الزمخشري به في ظاهر عبارته ، فإنه قال : « وفرّ بعضهم أمرنا بكثّرنا ، وجعله من باب فعلته ، ففعل ك « ثبرته فثبر » وفي الحديث : « خير المال سكّة مأبورة وفرس مأمورة » ، أي : كثيرة النتاج . قلت : وقد حكى أبو حاتم هذه اللغة ، فقال : « أمر القوم وأمرهم اللّه » ونقله الواحدي أيضا من أهل اللغة ، وقال أبو علي : « الجيّد في
« أَمَرْنا »
أن يكون بمعنى كثّرنا ، واستدل أبو عبيدة بما جاء في الحديث فذكره ، يقال : أمر اللّه المهرة أي كثر ولدها . قال : ومن أنكر « أمر اللّه القوم » أي : كثّرهم لم يلتفت إليه لثبوت ذلك لغة ، ويكون مما لزم وتعدى بالحركة المختلفة ، إذ يقال : أمر القوم كثّروا وأمرهم اللّه كثّرهم وهو من باب المطاوعة أمرهم اللّه فأمروا ، كقولك : شتر اللّه عينه فشترت ، وجدع أنفه فجدع ، وثلم سنّة فثلمت ، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وعكرمة « أمرنا » بكسر الميم ، بمعنى : أمرنا بالفتح ، وحكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه يقال : أمر اللّه ما له وأمره بفتح الميم وكسرها ، وقد ردّ الفراء هذه القراءة ، ولا يلتفت لرده ، لثبوتها لغة ، بنقل العدول ، وقد نقلها قراءة ابن عباس ، وأبو جعفر ، وأبو الفضل الرازي في لوامحه ، فكيف تردّ ؟ وقرأ علي بن أبي طالب ، وابن أبي إسحاق ، وأبو رجاء في آخرين « آمرنا » بالمد ، ورويت هذه قراءة عن ابن كثير ، وأبي عمرو ، وعاصم ، ونافع ، واختارها يعقوب ، والهمزة فيه للتعدية ، وقرأ علي - أيضا - ، وابن عباس ، وأبو عثمان الهندي « أمّرنا » بالتشديد ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنّ التضعيف للتعدية ، عدّاه تارة بالهمز ، وأخرى بتضعيف العين كما خرجته وصرحته .
والثاني : أنه بمعنى جعلناهم أمراء ، واللام من ذلك أمر ، قال الفارسي : « لا وجه لكون
« أَمَرْنا »
من الأمارة ، لأن رئاستهم لا تكون إلّا لواحد بعد واحد ، والإهلاك إنما يكون في مدة واحدة » . وقد ردّ على الفارسي بأنا لا نسلم أن الأمير هو الملك ، حتى يلزم ما قلت ، بل الأمير عند العرب من يأمر ويؤتمر به ، ولئن سلم ذلك ، لا يلزم ما قال ،
هامش
( 1 ) سورة الأعراف آية ، ( 28 ) .
( 2 ) سورة يوسف آية ، ( 40 ) .
( 3 ) سورة النحل ( 90 ) .
( 4 ) سورة الأعراف آية ، ( 9 ) .
( 5 ) سورة الطور ( 32 ) .
( 6 ) تقدم .
( 7 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 19 ) .