لأن المترف إذا ملك ففسق ، ثم آخر بعده ففسق ، ثم كذلك كثر الفساد ، ونزل بهم على الآخر من ملوكهم .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 17 إلى 22 ]
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 17 ) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ( 18 ) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ( 19 ) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 20 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ( 21 )
لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً ( 22 )
قوله :
وَكَمْ أَهْلَكْنا .
كم : نصب ب
« أَهْلَكْنا »
، و
« مِنَ الْقُرُونِ »
تمييز ل
« كَمْ »
، و
« مِنْ بَعْدِ نُوحٍ »
من : لابتداء الغاية ، والأولى للبيان ، فلذلك اتّحد متعلقهما . وقال الحوفي : « الثانية بدل من الأولى » . وليس كذلك لاختلاف معنييهما ، والباء
« كَفى »
تقدم الكلام عليها . وقال ابن عطية : « إنما يجاء بهذه الباء في موضع مدح أو ذم » . والباء في
« بِذُنُوبِ »
متعلقة ب
« خَبِيراً »
، وعلّقها الحوفي ب
« كَفى »
.
قال الشيخ « 1 » : « وهو وهم » قلت : وإنما جعله وهما ، لأنه لا يتعدى بالباء ، ولا يليق به المعنى .
قوله :
مَنْ كانَ .
من : شرطية ، و
« عَجَّلْنا »
جوابه ، و
« ما نَشاءُ »
مفعوله ، و
« لِمَنْ نُرِيدُ »
بدل بعض من كل من الضمير في
« لَهُ »
بإعادة العامل في
« لِمَنْ نُرِيدُ »
تقديره : لمن نريد تعجيله له . قوله
ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ
جعل - هنا - ، و
« يَصْلاها »
الجملة حال إما من الضمير في
« لَهُ »
، وإما من
« جَهَنَّمَ »
و
« مَذْمُوماً »
حال من الرفع :
« يَصْلاها »
. قيل : وفي الكلام حذف ، وهو حذف المقابل إذ الأصل : من كان يريد العاجلة ( وسعى لها سعيها وهو كافر ، لدلالة ما بعده عليه ، وقيل : بل الأصل من كان يريد العاجلة ) بعمله للآخرة كالمنافق .
قوله :
. . . سَعْيَها . . . .
فيه وجهان :
أحدهما : أنه مفعول به ، لأن المعنى وعمل لها عملها .
والثاني : أنه مصدر ، و
« لَها »
، أي : من أجلها . قوله :
وَهُوَ مُؤْمِنٌ
هذه الجملة حال من فاعل
« سَعى »
.
قوله :
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ .
كلّا : منصوب ب
« نُمِدُّ »
، و
« هؤُلاءِ »
عطف عليه ، أي : كل فريق نمد هؤلاء الساعين للعاجلة ، وهؤلاء الساعين للآخرة . وهذا تقدير جيّد . وقال الزمخشري : « في تقدير كل واحد من الفريقين نمد » .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 20 ) .