[ سورة النحل ( 16 ) : آية 68 ]
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 )
قوله :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ .
فيه أربعة أوجه .
أحدها : أنه متعلق بمحذوف فقدّره الزمخشري : نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ، أي : من عصيرها ، وحذف لدلالة
« نُسْقِيكُمْ »
قبله عليه ، قال :
« تَتَّخِذُونَ »
بيان وكشف عن كيفية الإسقاء . وقدّره أبو البقاء : وخلق لكم ، أو جعل لكم » . وما قدّره الزمخشري أليق : لا يقال : لا حاجة إلى تقدير « لنسقيكم » ، بل إلى قوله
« وَمِنْ ثَمَراتِ »
عطف على قوله :
« مِمَّا فِي بُطُونِهِ »
فكيف عطف بعض متعلقات الفعل الأول على بعض ، كما تقول :
« سقيت زيدا من اللّبن ومن العسل » فلا تحتاج إلى تقدير فعل قبل قولك : من العسل لا يقال ذلك ، لأن
« نُسْقِيكُمْ »
الملفوظ به وقع تفسيرا لعبرة الأنعام ، فلا يليق هذا به ، لأنه ليس من العبرة المتعلقة بالأنعام .
الشيخ « 1 » : وقيل : متعلق ب
« نُسْقِيكُمْ »
فيكون معطوفا على
« مِمَّا فِي بُطُونِهِ »
، أو ب
« نُسْقِيكُمْ »
محذوفة دلّ عليها
« نُسْقِيكُمْ »
انتهى » . ولم يعقبه بنكير . وفيه ما قدمته آنفا .
الثاني : أنه متعلق ب
« تَتَّخِذُونَ »
و
« مِنْهُ »
تكرير للظرف توكيدا ، نحو : « زيد في الدار فيها » قاله الزمخشري . وعلى هذا فالهاء في
« مِنْهُ »
فيها ستة أوجه :
أحدها : أنها تعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير ، كما رجع في قوله :
أَوْ هُمْ قائِلُونَ
إلى الأهل المحذوف .
الثاني : أنها تعود على معنى « الثّمرات » ، لأنها بمعنى الثّمر .
الثالث : أنها تعود على
« النَّخِيلِ »
.
الرابع : أنها تعود على الجنس .
الخامس : أنها تعود على البعض .
السادس : أنها تعود على المذكور .
الثالث من - الأوجه الأول - : أنه معطوف على قوله
« فِي الْأَنْعامِ »
.
فيكون في المعنى خبرا عن اسم
« إِنَّ »
في قوله :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً
التقدير : وإنّ لكم في الأنعام ومن ثمرات النخيل لعبرة ، ويكون في قوله
« تَتَّخِذُونَ »
بيانا وتفسيرا للعبرة ، كما أوقع
« نُسْقِيكُمْ »
تفسيرا لها أيضا .
الرابع : أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف ، فقدّره الطبري : ومن ثمرات النخيل ما تتخذون . قال الشيخ « 2 » :
« وهو لا يجوز على مذهب البصريين » قلت : وفيه نظر ، لأنّ له أن يقول : ليست « ما » هذه موصولة ، بل نكرة موصوفة ، وجاز حذف الموصوف والصفة جملة ، لأنّ في الكلام « من » ، ومتى كان في الكلام « من » اطرد الحذف
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 510 ) .
( 2 ) انظر المصدر السابق .