بعض الأنعام ، وقال الكسائي : « أي في بطون ما ذكر » . قال المبرد : « وهذا سائغ في القرآن ، قال تعالى :
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ
« 1 » -
فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ
« 2 » . أي : ذكر هذا الشيء . وقال تعالى :
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي
أي : هذا الشيء الطالع ، ولا يكون هذا إلّا في التأنيث المجازي ، لا يجوز : « جاوبتك ذهب » ، قلت :
وعلى ذلك خرج قوله :
3021 -
فيها خطوط من سواد وبلق * كأنّه في الجلد توليع البهق « 3 »
أي : كأن المذكور ، وقيل : جمع تكسير فيما لا يعقل ، يعامل معاملة الجماعة ، ففي هذه السورة اعتبر معنى الجمع ، وفي سورة المؤمنين اعتبر معنى الجماعة ، ومن الأول قوله :
3022 -
مثل الفراخ نتفت حواصله « 4 » * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل : لأنه يسد مسدّه واحد يفهم الجمع ، فإنه يسد مسدّه نعم ، ونعم يفهم الجمع ومثله قوله :
3023 -
وطاب ألبان اللّقاح وبرد « 5 » * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنه يسد مسدها « لبن » ومثله قولهم : « هو أحسن الفتيان وأجمله » ، أي : أحسن فتى ، إلّا أنّ هذا لا ينقاس عند سيبويه وأتباعه . وذكر أبو البقاء ستة أوجه ، تقدم منها في غضون ما ذكرته خمسة ، والسادس : أن يعود على « الفحل » لأن الّلبن يكون من طرق الفحل الناقة ، فأصل اللّبن ماء الفحل ، قال : « هذا ضعيف ، لأن اللّبن وإن نسب إلى الفحل ، فقد جمع البطون ، وليس فحل الأنعام واحدا ، ولا للواحد بطون ، فإن قال : أراد الجنس فقد ذكّر . يعني أنه قد تقدم أن التذكير باعتبار جنس الأنعام فلا حاجة إلى تقدير عوده على فحل المراد به الجنس . قلت :
وهذا القول نقله مكي عن إسماعيل القاضي ، ولم يعقبه بنكير . قوله :
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ
يجوز فيه أوجه :
أحدها : أنه متعلق بالسقي على أنها لابتداء الغاية ، فإن جعلنا ما قبلها كذلك تعين أن يكون مجرورها بدلا من مجرور
« مِنْ »
الأولى ، لئلا يتعلق عاملان متحدان لفظا ومعنى بعامل واحد . وهو ممتنع ، وهو من بدل الاشتمال ، لأن المكان مشتمل على ما حلّ فيه وإن جعلتها للتبعيض هان الأمر .
الثاني ؛ أنها في محل نصب على الحال من
« لَبَناً »
إذ لو تأخرت لكانت مع مجرورها نعتا له . قال الزمخشري :
« وإنّما قدّم ، لأنه موضع العبرة ، فهو قمن بالتقديم » .
الثالث : أنه مع مجرورها حال من الموصول قبلها . و « الفرث » : فضالة ما يبقى من العلف في الكرش وكثيف ما يبقى من الأكل في المعيّ ، ويقال : فرث كبده ، أي : فتّتها وأفرث فلانا : أوقعه في بليّة تجري مجرى الفرث . قوله :
« لَبَناً »
هو المفعول الثاني للسقي ، وقرىء : « سيّغا » بتشديد الياء بزنة سيّد ، وتصريفه كتصريفه . وخفّف عيسى بن عمر نحو : « ميت ، وهين » . ولا يجوز أن يكون فعلا إذ كان يجب أن يكون « سوغا » ك « قول » .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 67 ]
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 )
هامش
( 1 ) سورة المزمل آية ، ( 19 ) .
( 2 ) سورة المدثر آية ، ( 54 ) .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 508 ) ، روح المعاني ( 14 / 177 ) .
( 5 ) شعر .