الثالث : أنه منصوب ب « أمن » أي : أمنوا العقوبات السيئات ، وعلى هذا فقوله :
« أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ »
بدل من
« السَّيِّئاتِ »
.
قوله :
عَلى تَخَوُّفٍ .
متعلق بمحذوف ، فإنه حال إما من الفاعل ، وإما من مفعوله ، ذكرهما أبو البقاء . والظاهر كونه حالا من المفعول دون الفاعل ، والتّخوّف : التّنقّص .
وحكى الزمخشري : أنّ عمر سألهم على المنبر عنها ، فقال شيخ من هذيل ، فقال : هذه لغتنا التّخوّف :
التّنقّص ، قال : فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال : نعم ، قال الشاعر وأنشد :
3000 -
تخوّف الرّجل منها ثامكا قردا * كما تخوّف عود النّبعة السّفن « 1 »
فقال عمر : أيّها النّاس ، عليكم بديوانكم لا يضلّ ، قالوا : وما ديواننا ؟ قال : شعر الجاهلية ، فإن فيه تفسير كتابكم . قلت : وكان الزمخشري نسب البيت قبل ذلك لزهير ، وكأنه سهو ، فإنه لأبي كبير الهذلي ، ويؤيد ذلك قول الرجل قال شاعرنا : وكان هذليا كما حكاه هو ، وقيل : التّخوّف : الخوف .
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 48 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ ( 48 )
قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا .
قرأ الأخوان : « تروا » بالخطاب جريا على قوله :
« فَإِنَّ رَبَّكُمْ »
والباقون بالياء جريا على قوله :
« أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا »
، وأما قوله :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ »
. فقراءة حمزة أيضا بالخطاب ، وافقه ابن عامر فيه ، فحصل من مجموع الآيتين أنّ حمزة بالخطاب فيهما والكسائي بالخطاب في الأول ، والغيبة في الثاني ، وابن عامر بالعكس ، والباقون بالغيبة فيهما ، فأما توجيه الأولى : فقد تقدم ، وأما الخطاب في الثانية فجريا على قوله :
« وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ »
:
إلى آخره ، وأما تفرقة الكسائي وابن عامر بين الموضوعين فجمعا بين الاعتبارين ، وأن كلّا منهما صحيح . قوله :
مِنْ شَيْءٍ
هذا بيان ل
« ما »
في قوله :
« ما خَلَقَ اللَّهُ »
فإنها موصولة ، بمعنى الذي ، فإن قلت : كيف يبين الموصول وهو مبهم ب
« شَيْءٍ »
وهو مبهم ، بل أبهم مما قبله ؟ فالجواب أن شيئا قد اتضح وظهر بوصفه الجملة بعده
« يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ »
. قال الزمخشري : و
« ما »
موصولة ب
« خَلَقَ اللَّهُ »
وهو مبهم بيانه في قوله :
« مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ »
. وقال ابن عطية :
« مِنْ شَيْءٍ »
لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة من قوله :
« يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ »
. فظاهر هاتين العبارتين أن جملة
« يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ »
صفة ل
« شَيْءٍ »
وأما غيرهما فإنه قد صرّح بعد كون الجملة صفة ، فإنه قال :
والمعنى من شيء له ظل من جبل وشجر وبناء وجسم قائم » . وقوله :
« يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ »
أخبار من قوله :
« مِنْ شَيْءٍ »
ليس بوصف له ، وهذا الإخبار يدل على ذلك الوصف المحذوف ، الذي تقديره : هو له ظل ، وفيه تكلف لا حاجة إليه ، والصفة أبين . و
« مِنْ شَيْءٍ »
في محل نصب على الحال من الموصول ، أو متعلق بمحذوف على جهة البيان ، أي :
أعني : من شيء ، والتّفيّؤ : تفعّل من فاء يفيء ، أي : رجع وفاء : قاصر فإذا أريد تعديته عدي بالهمزة ، كقوله
هامش
( 1 ) البيت لأبي كبير الهذلي انظر البحر المحيط ( 5 / 495 ) ، والقرطبي ( 10 / 110 ) ، ونسبه الزمخشري لزهير وابن منظور « خوف » لابن عقيل « وسفن » لذي الرمة والصحاح كذلك وانظر روح المعاني ( 14 / 152 ) .