والثاني : أنه نصب على عطفه على
« الْإِنْسانَ »
قاله الزمخشري ، وابن عطية ، فيكون
« خَلَقَها »
على هذا مؤكدا ، وعلى الأول مفسرا . وقرىء في الشاذ : « والأنعام » رفعا ، وهي مرجوحة . قوله :
« لَكُمْ فِيها دِفْءٌ »
يجوز أن يتعلق
« لَكُمْ »
ب
« خَلَقَها »
أي : لأجلكم ولمنافعكم ، ويكون
« فِيها »
خبرا مقدما ، و
« دِفْءٌ »
مبتدأ مؤخرا ، ويجوز أن يكون
« لَكُمْ »
هو الخبر ، و
« فِيها »
متعلق بما تعلق به الخبر ، أو يكون
« فِيها »
حالا من
« دِفْءٌ »
، لأنه لو تأخر لكان صفة له ، أو يكون
« فِيها »
هو الخبر ، و
« لَكُمْ »
متعلق بما تعلق به ، أو يكون حالا من
« دِفْءٌ »
قاله أبو البقاء .
وردّ الشيخ « 1 » : بأنه إذا كان العامل في الحال معنويا ، فلا يتقدم على الجملة بأسرها ، ولا يجوز : « قائما في الدار زيد » فإن تأخرت ، نحو : « زيد في الدار قائما » جاز بلا خلاف ، أو توسطت فخلاف ، أجازه الأخفش ، ومنعه غيره . قلت : ولقائل أن يقول : لما تقدم العامل فيها ، وهي معه ، جاز تقديمها عليه بحالها ، إلّا أن نقول : لا يلزم من تقديمها عليه ، وهو متأخر تقديمها عليه ، وهو متقدم لزيادة القبح . وقال أبو البقاء أيضا : « ويجوز أن يرتفع
« دِفْءٌ »
ب
« لَكُمْ »
، أو ب
« فِيها »
، والجملة كلها حال من الضمير المنصوب » . قال الشيخ : « ولا تسمى جملة ، لأن التقدير : خلقها كائنا لكم فيها دفء ، أو خلقها لكم كائنا فيها دفء » . قلت : قد تقدم الخلاف « 2 » في تقديره متعلق الجار إذا وقع حالا ، أو صفة ، أو خبرا ، هل يقدر فعلا أو اسما ؟ ولعل أبا البقاء نحا إلى الأول ، فتسميته له جملة صحيح على هذا . والدّفء : اسم لما يدفىء به ، أي : يسخّن ، وجمعه أدفأ ودفىء يومنا فهو دفىء ، ودفىء الرّجل يدفأ دفأة ودفاء ، فهو دفآن ، وهي دفأى ، ك « سكران وسكرى » ، والمدفّئة بالتخفيف والتشديد الإبل الكثيرة الوبر والشحم ، وقيل : الدّفء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها وقرأ زيد بن علي
« دِفْءٌ »
بنقل حركة الهمزة إلى الفاء ، والزهري كذلك ، إلا أنه شدد الفاء ، كأنه أجرى الوصل مجرى الوقف ، نحو قولهم : « هذا فرّخ بالتشديد وقفا » . وقال صاحب اللوامح : « ومنهم من يعود من هذه الهمزة فيشدد الفاء ، وهو أحد وجهي حمزة بن حبيب وقفا . قلت :
التشديد وقفا لغة مستقلة ، وإن لم يكن ثمّ حذف من الكلمة الموقوف عليها . قوله :
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
من - هنا - :
لابتداء الغاية والتبعيض - هنا - ضعيف .
قال الزمخشري : فإن قلت : تقديم الظروف مؤذن بالاختصاص ، وقد يؤكل من غيرها . قلت : الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس ، وأما غيرها من البط والدّجاج ، ونحوها من الصّيد ، فكغير المعتد به » .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 6 إلى 8 ]
وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 ) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 7 ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 )
قوله :
وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ . . .
كقوله :
لَكُمْ فِيها دِفْءٌ .
و
« حِينَ »
منصوب بنفس
« جَمالٌ »
أو بمحذوف على أنه صفة له أو معمول لما عمل في
« فِيها »
أو في
« لَكُمْ »
، وقرأ عكرمة والضحاك « حينا » بالتنوين على أن الجملة بعده صفة له ، والعائد محذوف ، أي : حينا تسرحون فيه ، كقوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 474 ) .
( 2 ) انظر عند تفسيره للبسملة أول الكتاب .