هذا المصدر المؤول هو المفعول للودادة ، أي : يودون كونهم مسلمين ، إن جعلنا « ما » كافة ، وإن جعلناها نكرة ، كانت
« لَوْ »
وما في حيزها بدلا من « ما » .
قوله :
ذَرْهُمْ . . . .
هذا لا يستعمل له ماض إلّا قليلا استغناء عنه ب « ترك » بل يستعمل منه المضارع ، نحو :
وَيَذَرُهُمْ
« 1 » ومن مجيء الماضي قوله عليه السّلام : « ذروا الحبشة ما وذرتكم » ومثله : دع ، ويدع ، ولا يقال : ودع إلّا نادرا . وقد قرىء : « ما ودعك » مخففا . وأنشد قوله :
2957 -
سل أميري : ما الّذي غيّره * عن وصالي اليوم حتّى ودعه « 2 » ؟
و
« يَأْكُلُوا »
مجزوم على جواب الأمر ، وقد تقدم أن « ترك » ، و « ذر » يكونان بمعنى « صيّر » ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفا ، أي : ذرهم مهملين ، ولا يصح أن يكون
« يَأْكُلُوا »
هو الثاني ، ولا حالا ، إذ كان يجب رفعه .
قوله :
. . . إِلَّا وَلَها كِتابٌ . . . .
فيه أوجه :
أحدها - وهو الظاهر - : أنها واو الحال ، ثم لك اعتباران :
أحدهما : أن تجعل الحال وحدها الجار ، ويرتفع
« كِتابٌ »
به فاعلا .
والثاني : أن تجعل الجار خبرا مقدما ، و
« كِتابٌ »
مبتدأ ، والجملة حال ، وهذه الحال لازمة .
الوجه الثاني : أن الواو مزيدة ، وأيد هذا قوله بقراءة ابن أبي عبلة « إلّا لها » بإسقاطها ، والزيادة ليست بالسهلة .
الثالث : أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة تأكيدا . قال الزمخشري : والجملة واقعة صفة ل
« قَرْيَةٍ »
، والقياس ألا تتوسط هذه الواو بينهما ، كما في قوله :
وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ،
وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف ، كما تقول : « جاءني زيد عليه ثوبه » ، و « جاءني وعليه ثوبه » . و « قد تبع الزمخشري في ذلك أبو البقاء ، وقد سبق له ذلك أيضا في البقرة عند قوله تعالى :
وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
« 3 » .
قال الشيخ « 4 » : « ولا نعلم أحدا قاله من النحويين . وفي محفوظي أن ابن جني سبقهما إلى ذلك » .
ثم قال الشيخ « 5 » : وهو مبني على جواز أن ما بعد إلّا يكون صفة ، وقد منعوا ذلك . قال الأخفش : « لا يفصل بين الصفة والموصوف ب
« إِلَّا »
ثم قال : وأما نحو : « ما جاءني رجل إلّا راكب » ، على تقدير : إلّا رجل راكب .
هامش
( 1 ) جزء من آية في سورة الأعراف رقم ( 186 ) .
( 2 ) البيت لسويد بن أبي كاهل كما في اللسان « ودع » والخصائص ( 1 / 99 ) ، المحتسب ( 2 / 34 ) ، الخزانة ( 5 / 150 ) ، الإنصاف ( 2 / 485 ) .
( 3 ) آية ، رقم ( 216 ) .
( 4 ) انظر البحر المحيط ( 445 ) .
( 5 ) انظر المصدر السابق .