النصب في وجه من يجعله مفعولا من أجله . وحذف حرف الجر وإبقاء عمله قليل ، وهذه القراءة لا تتقاعد عنه . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل أي : « ممتعات » - يعني أنه يجعل المصدر نعتا ل
« أَنْفُسِكُمْ »
من غير حذف مضاف بل على المبالغة أو على جعل المصدر بمعنى اسم الفاعل . ثم قال : ويضعف أن يكون بدلا ، إذ أمكن أن يجعل صفة . قلت : وإذا جعل بدلا على ضعفه فمن أي قبيل البدل يجعل ؟ الظاهر : أنه من بدل الاشتمال ، ولا بد من ضمير محذوف حينئذ أي : متاع الحياة الدنيا لها ، وقرىء : « فينبّئكم » بياء الغيبة ، والفاعل ضمير الباري تعالى .
قوله :
إِنَّما مَثَلُ .
هذه الجملة سيقت لتشبيه الدنيا بنبات الأرض ، فقد شرح اللّه - تعالى - وجه التشبيه بما ذكر . قال الزمخشري :
« هذا من التشبيه المركب » ، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال ، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعد ما التفّ وتكاثف . قلت : التشبيه المركب في اصطلاح البيانيين : إما أن يكون طرفاه مركبين أي : تشبيه مركب بمركب كقول بشّار بن برد :
2598 -
كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه « 1 »
وذلك أنه شبه الهيئة الحاصلة من هوى أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار متفرقة في جوانب شيء مظلم بليل سقطت كواكبه ، وإما أن يكون طرفاه مختلفين بالإفراد والتركيب وتقسيماته في غير هذا الموضوع . قوله :
كَماءٍ
هو خبر المبتدأ ، و
« أَنْزَلْناهُ »
صفة ل « ماء » و
« مِنَ السَّماءِ »
متعلق ب
« أَنْزَلْناهُ »
ويضعف جعله حالا من الضمير المنصوب . وقوله :
« فَاخْتَلَطَ بِهِ »
في هذه الباء وجهان :
أحدهما : أنها سببية . قال الزمخشري : « فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا » . وقال ابن عطية : « وصلت فرقة النبات » بقوله :
« فَاخْتَلَطَ »
أي : « النبات بعضه ببعض بسبب الماء » .
والثاني : أنها للمصاحبة ، بمعنى أن الماء يجري مجرى الغذاء له ، فهو مصاحبه ، وزعم بعضهم : أن الوقف على قوله :
« فَاخْتَلَطَ »
أي : على أن الفاعل ضمير عائد على « الماء » وتبتدىء
« بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ »
على الابتداء والخبر والضمير في
« بِهِ »
على هذا يجوز عوده على « الماء » وأن يعود على « الاختلاط » الذي تضمنه الفعل قاله ابن عطية .
قال الشيخ : والوقف على قوله :
« فَاخْتَلَطَ »
لا يجوز وخاصة في القرآن ، لأنه تفكيك للكلام المتصل الصحيح ، وذهاب إلى اللغو والتعقيد . وقوله :
مِمَّا يَأْكُلُ
فيه وجهان :
أحدهما : أنه متعلق ب « اختلط » وبه قال الحوفي .
والثاني : أنه حال من « النبات » وبه قال أبو البقاء ، وهو الظاهر ، والعامل فيه محذوف على القاعدة المستقرة أي : كائنا أو مستقرا مما يأكل ، ولو قيل : إن
« مِنَ »
لبيان الجنس لجاز . وقوله :
« حَتَّى »
غاية فلا بد لها من شيء مغيّا
هامش
( 1 ) أنظر ديوانه ( 1 / 318 ) ، أسرار البلاغة ( 2 / 23 ) ، دلائل الإعجاز ( 260 ) ، المصون ( 66 ) ، معاهد التنصيص ( 2 / 28 ) .