والثاني : أن تكون المسألة من باب التنازع ، أعني بين
« نَقُصُّ »
وبين
« أَوْحَيْنا »
فإن كلا منهما يطلب هذا القرآن ، وتكون المسألة من إعمال الثاني ، وهذا إنما يتأتى على جعلنا
« أَحْسَنَ »
منصوبا على المصدر ، ولم يقدر ل
« نَقُصُّ »
مفعولا محذوفا . وقوله :
« وَإِنْ كُنْتَ
. . . إلى آخره » تقدم نظيره .
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 4 ]
إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 )
وقوله :
إِذْ قالَ .
في العامل في
« إِذْ »
أوجه :
أظهرها : أنه منصوب ب
« قالَ يا بُنَيَّ »
، أي : قال يعقوب يا بني وقت قول يوسف له كيت وكيت ، وهذا أسهل الوجوه ، إذ فيه إبقاء
« إِذْ »
على كونها ظرفا ماضيا . وقيل : الناصب له
« الْغافِلِينَ »
، قاله مكي . وقيل : هو منصوب ب
« نَقُصُّ »
أي : نقص عليك وقت قول كيت وكيت ، وهذا فيه إخراج
« إِذْ »
عن المضي وعن الظرفية ، وإن قدرت المفعول محذوفا ، أي : نقص عليك الحال وقت قوله لزم إخراجها عن المضي ، وقيل : هو منصوب بمضمر ، أي :
أذكر ، وقيل : هو منصوب على أنه بدل من
« أَحْسَنَ الْقَصَصِ »
بدل اشتمال . قال الزمخشري : لأن الوقت يشتمل على القصص وهو المقصوص . قوله :
يا أَبَتِ
قرأ ابن عامر بفتح التاء ، والباقون بكسرها ، وهذه التاء عوض عن ياء المتكلم ، ولذلك لا يجوز الجمع بينهما ، وهذا مختص « يا أبت ويا صاحبت » ولا يجوز في غيرهما من الأسماء لو قلت : يا صاحبت لم يجز البتة ، كما اختصت لفظة الأمّ والعمّ بحكم في نحو :
يَا بْنَ أُمَّ
« 1 » ، ويجوز الجمع بين هذه التاء وبين كل من الياء والألف ضرورة كقوله :
2756 -
يا أبتا علّك أو عساكا « 2 »
وقول الآخر :
2757 -
أيا أبتا لا تزل عندنا * فإنّا نخاف بأن تخترم « 3 »
وقول آخر :
2758 -
أيا أبتي لا زلت فينا فإنّما * لنا أمن في العيش ما دمت عائنا « 4 »
وكلام الزمخشري مؤذن بأن الجمع بين التاء والألف ليس ضرورة ، فإنه قال : فإن قلت : فما هذه الكسرة ؟
قلت : هي الكسرة التي كانت قبل الياء في قولك : « يا أبي » فزحلقت إلى التاء ، لاقتضاء تاء التأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحا ، فإن قلت : فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء ، وتبقى الياء ساكنة ؟ قلت : امتنع ذلك فيها ، لأنها اسم ، والأسماء حقها التحريك ، لأصالتها في الإعراب ، وإنما جاز تسكين الياء ، وأصلها أن تحرك تخفيفا ، لأنها حرف لين ، وأما التاء فحرف صحيح ، نحو : كاف الضمير ، فلزم تحريكها . فإن قلت : يشبه الجمع بين هذه التاء وبين هذه الكسرة الجمع بين العوض والمعوض منه ، لأنها في حكم الياء إذا قلت : يا غلام ، فكما لا يجوز : « يا أبتي » ، لا يجوز
« يا أَبَتِ »
؟ قلت : الياء والكسرة قبلها شيئان ، والتاء عوض من أحد الشيئين ، وهو الياء والكسرة غير
هامش
( 1 ) سورة طه ، آية : ( 94 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) البيت لم نعثر عليه .
( 4 ) البيت في الأشموني ( 3 / 158 ) ، التصريح ( 2 / 178 ) .