بفتح « تاء » أميمة على ما ذكرت لك .
الثالث : ما ذكره الفراء وأبو عبيد وأبو حاتم وقطرب في أحد قوليه ، وهو أن الألف في : يا أبتا للندبة ، ثم حذفها مجتزأ عنها بالفتحة ، وهذا قد ينفع في الجواب عن الجمع بين العوض والمعوض منه ، وقد رد بعضهم هذا المذهب بأن الموضع موضع ندبة .
الرابع : أن الأصل : يا أبة بالتنوين ، فحذف التنوين ، لأن النداء باب حذف ، وإلى هذا ذهب قطرب في القول الثاني : وقد رد هذا عليه : بأن التنوين لا يحذف من المنادى المنصوب ، نحو : « يا ضاربا رجلا » ، وقرأ أبو جعفر « يا أبي » بالياء ، ولم يعوض منها التاء . وقرأ الحسن ، وطلحة بن سليمان « أحد عشر » بسكون العين كأنهم قصدوا بهذا التحضيض ، على أن الاسمين جعلا اسما واحدا . وقوله :
« وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ »
يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن تكون الواو عاطفة ، وحينئذ يحتمل أن يكون ذلك من باب ذكر الخاص بعد العام تفضيلا له ، لأن الشمس والقمر دخلا في قوله :
أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً
فهو كقوله :
وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
بعد قوله
وَمَلائِكَتِهِ ،
ويحتمل أن لا تكون كذلك وتكون الواو للعطف المعاير فيكون قد رأى الشمس والقمر زيادة على الأحد عشر ، بخلاف الأول فإنه يكون رأي الأحد عشر ، ومن جملتها الشمس والقمر ، والاحتمالان منقولان عن أهل التفسير وممن نقلهما الزمخشري .
الوجه الثاني : أن تكون الواو بمعنى « مع » إلّا أنه مرجوح ، لأنه متى أمكن العطف من غير ضعف ولا إخلال بمعنى رجح على المعية ، وعلى هذا فيكون كالوجه الذي قبله بمعنى أنه رأى الشمس والقمر زيادة على الأحد عشر كوكبا . قوله :
رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
يحتمل وجهين :
أحدهما : أنها جملة كررت للتوكيد لما طال الفصل بالمفاعيل كررت ، كما كررت « أنّكم » في قوله :
أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
« 1 » كذا قال الشيخ « 2 » ، وسيأتي تحقيق هذا - إن شاء اللّه تعالى - .
والثاني : أنه ليس بتأكيد واليه نحا الزمخشري ، فإنه قال : فإن . قلت : ما معنى تكرار
« رَأَيْتُ »
قلت : ليس بتكرار ، إنما هو كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له ، كأن يعقوب - عليه السّلام - قال له عند قوله :
« إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ »
، كيف رأيتها سائلا عن حال رؤيتها ؟ فقال :
« رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ »
. قلت :
وهذا أظهر ، لأنه متى دار الكلام بين الحمل على التأكيد أو التأسيس ، فحمله على الثاني أولى ، و
« ساجِدِينَ »
صفة جمع العقلاء ، فقيل : لأنه لما عاملهم معاملة العقلاء في إسناده فعله إليهم جمعهم ، والشيء قد يعامل معاملة شيء آخر إذا شاركه في صفة ما ، والرؤية هنا مناسبة ، وقد تقدم أنها تنصب مفعولين كالعلمية ، وعلى هذا يكون قد حذف المفعول الثاني من قوله :
« رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً »
ولكن حذفه اقتصارا ممتنع فلم يبق إلا اختصارا ، وهو قليل أو ممتنع عند بعضهم .
هامش
- أمالي لبن الشجري ( 2 / 83 ) ، الخزانة ( 2 / 321 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 12 ) ، الأشموني ( 3 / 173 ) ، الهمع ( 1 / 185 ) ، الدرر ( 1 / 160 ) .
( 1 ) سورة المؤمنون ، آية : ( 35 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 280 ) .