الزّلف ساعات الليل وآناؤه ، وكلّ ساعة منه زلفة ، فلم يخصّصا بأول الليل ، وقال العجاج :
2751 -
ناج طواه الأين ممّا وجفا * طيّ اللّيالي زلفا فزلفا « 1 »
سماوة الهلال حتّى احقوقفا
وأصل الكلمة : من الزّلفى ، وهو القرب ، يقال : أزلفه فازدلف أي : قرّبه فاقترب ، قال تعالى :
وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ،
وفي الحديث ؛ « ازدلفوا إلى اللّه بركعتين » . وقال الراغب : والزّلفة المنزلة والحظوة ، وقد استعملت الزّلفة في معنى العذاب كاستعمال البشارة ونحوها ، والزّالف المراقي ، وسمّيت ليلة المزدلفة لقربهم من منى بعد الإفاضة . قوله :
مِنَ اللَّيْلِ
صفة ل
« زُلَفاً »
.
[ سورة هود ( 11 ) : آية 116 ]
فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ( 116 )
قوله :
فَلَوْ لا كانَ .
لولا : تحضيضية ، دخلها معنى التفجع عليهم ، وهو قريب من مجاز قوله تعالى :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
« 2 » .
ويروى عن الخليل أنه قال : كلّ لولا في القرآن فمعناها هلّا إلا التي في الصافات « 3 » :
فَلَوْ لا أَنَّهُ ،
لا يصح عنه لورودها كذلك في غير الصافات :
لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ
« 4 » ،
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ
« 5 » ،
وَلَوْ لا رِجالٌ
« 6 » . « و
مِنَ الْقُرُونِ »
يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من
« أُولُوا بَقِيَّةٍ »
، لأنه لو تأخر عنه لجاز أن يكون نعتا له ، و
« مِنْ قَبْلِكُمْ »
حال من
« الْقُرُونِ »
، و
« يَنْهَوْنَ »
حال من
« أُولُوا بَقِيَّةٍ »
لتخصصه بالإضافة ، ويجوز أن يكون نعتا ل
« أُولُوا بَقِيَّةٍ »
، وهو أولى ويضعف أن تكون
« كانَ »
هذه ناقصة ، لبعد المعنى من ذلك ، وعلى تقديره يتعين تعلق
« مِنَ »
بالمحذوف على أنه حال ، لأن
« كانَ »
الناقصة لا تعمل عند جمهور النحاة ، ويكون
« يَنْهَوْنَ »
في محل نصب خبرا ل
« كانَ »
، وقرأ العامة
« بَقِيَّةٍ »
بفتح الباء ، وتشديد الياء ، وفيها وجهان ، أحدهما : أنها صفة على « فعيلة » للمبالغة بمعنى فاعل ، ولذلك دخلت التاء فيها ، والمراد بها حينئذ جيد الشيء وخياره ، وإنما قيل لجيده وخياره : بقيّة من قولهم : فلان بقيّة النّاس ، وبقيّة كرام ، لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله ، وعليه حمل بيت الحماسة :
2752 -
إن تذنبوا ثمّ تأتيني بقيّتكم * . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 7 »
وفي المثل : « في الزّوايا خبايا ، وفي الرّجال بقايا » .
والثاني : أنها مصدر بمعنى : البقوى : قال الزمخشري : « ويجوز أن تكون البقيّة » بمعنى البقوى ، كالتّقيّة بمعنى التّقوى ، أي : فهلّا كان منهم ذووا ابقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط اللّه وعقابه » . وقرأت فرقة « بقية »
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) سورة يس ، آية : ( 30 ) .
( 3 ) آية : رقم ( 143 ) .
( 4 ) سورة القلم ، آية : ( 49 ) .
( 5 ) سورة الإسراء ، آية : ( 74 ) .
( 6 ) سورة الفتح ، آية : ( 25 ) .
( 7 ) تقدم .